وذلك البرهان بعينه يدل على عدم انطباع شيء من الصور في الدماغ ، بل الحق ان الحس المشترك والخيال وغيرهما من القوى ليست الا استعدادات ومظاهر صقالية للصور القائمة بنفسها الغير المفتقرة إلى مكان وزمان ومحل ، بل جميع ما يحصل فينا من الصور والمعاني انما هي مهيئة لفيض العقل الفياض الموكل بذلك . قوله : والحق في صورة المرايا . أقول : هذا بحث شريف وباب واسع يحتاج « 617 » استيفائه إلى أوراق كثيرة ، وقد غفل عنه أكثر الحكماء الباحثين ، وهو من الاسرار المخزونة والعلوم المكنونة ونحن نشير اليه إشارة خفية فنقول : قد عرف فيما انه ليس في الدماغ والقوى البدنية والمرايا شيء من الصور المشاهدة ، فان انطباع الكبير في الصغير غير ممكن ، وتلك الصور ليست موجودة في عالم الحس والا لرآها كل سليم الحس وليست عدما محضا فإنه غير متصور ولا متخيل . وصور المرايا والخيال يشاهدها ويميز بينها وبين غيرها ويحكم عليها بالاحكام المختلفة ؛ ولا شيء من العدم المحض كذلك ، فالصور الخيالية والمنامية لما لم تكن عدما محضا ولا هي في جزء من الدماغ وغيره ، فتبقى أن تكون موجودة في عالم آخر « 618 » يسمّى ب « العالم المثالي والخيالي » ؛ وهو فوق عالم الحس بالمرتبة ودون العالم العقلي ، فهو متوسط بينهما وجميع الاشكال المتخيلة والمقادير والأجسام وما يتعلق بها من الحركات والسكنات والأوضاع والهيئات وغير ذلك ، فهو موجود في العالم الأوسط وهو المثال ؛ وصور المرايا كلها قائمة بذاتها في هذا العالم والمرايا مظاهرها وهي معلقة لا في مكان ولا محل والصور الخيالية ليست في الدماغ ، بل الروح الدماغي مظهرها وهي معلقة قائمة بذاتها لا في مكان ومحل . قوله : وإذا ثبت مثال مجرد سطحى .
شرح حكمة الاشراق — صفحة 509
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٠٩
هامش
( 617 ) س : + إلى
( 618 ) س : - آخر