تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
أقول : يريد ب « المثال المجرد السطحي » ما يشاهد من صور المرايا والتخيل . فانّا نرى صورا في المرايا ونتخيلها وهي أمثلة مجردة لا عمق لها ولا ظهور ، بل هي أمثلة قائمة بذاتها معلقة غير حالة في محل ومظاهرها المرايا ؛ والتخيل الغير الحالّة فيها . والسطح العرضي الذي للمرآة لا يقوم بذاته لعرضيته ويلزم من ذلك وجود ماهية جوهرية قائمة بذاتها لها مثال عرضى والنور الفائض العرضي لا سيّما الشمسي الذي هو أكمل الأنوار ، كمثال وأنموذج للنور التام المجرد ، فإنهم ذلك . فإنه سر عظيم وخطب جسيم . فالأشياء الموجودة في العالم العلوي لها نظائر وأشباه في العالم السفلى . والأشياء تعرف بالأمثلة والنظائر ؛ فالأنوار العرضية إذا عرفت حقايقها ، على ما ينبغي ، فإنها تعين على معرفة الأنوار المجردة الجوهرية وكما أن جميع الحواس الظاهرة ترجع إلى حاسة واحدة ، هي الحس المشترك ، فجميع ذلك يرجع إلى قوة واحدة ، هي النور المدبر ، فالقوى البدنية الظاهرة والباطنة كلها راجعة اليه . والابصار وان كان مشروطا فيه مقابلة المبصر للبصر الا ان الباصر هو النور الناطق الاسفهبذ الناطق . فان قلت إذا كانت الحواس كلها ترجع إلى قوة واحدة عقلية ، فالمشاهد للأمور العقلية والخيالية ، المثالية والحسية ؛ والرائي لجميع المرئيات انما هو النور الناطق الاسفهبذى ؛ فلم لم تر قبل المفارقة البدنية الأحوال الأخروية على ما ينبغي ؛ وذلك لاشتغاله بالأحوال البدنية واحتجابه عنها بالقوى الحسية والخيالية . فان الشيء المبصر في ذاته قد يعرض له ما يشغله عن ابصار ما من شأنه ابصاره لمانع من الموانع وشاغل له والشاغل في معنى الحجاب . فإذا ضعف الشاغل البدني والمانع الحسى بالعلوم الحقيقية والرياضات البالغة فإنها تشاهد العالم العقلي وأنواره المجردة على ما ادركه المتألهون ، فقد جرّب أصحاب العروج الروحاني للنفس الناطقة مشاهدة صريحة أكمل وأتم مما للبصر عند الانسلاخ الشديد عن العلائق البدنية والقوى الجسمانية ، وهم في تلك الحال يتبينون ان الأمور الشاهدة لهم ليست نقوشا منطبعة في بعض القوى البدنية والأرواح الدماغية ، بل يجزمون