تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
فتركب الصور في الخيال والمعاني التي في الحافظة بعضها ببعض ، فتجمع بين المختلفات وتفرق بين المناسبات وتصور ما لا يوجد في الخارج ، فتركب انسانا له الف رأس وجناحان يطير بهما في الهواء ويفصل كالانسان بلا رأس ولا رجلين . ويسمّونها عند استعمال الوهم « مخيّلة » ، وعند استعمال العقل « مفكّرة » ؛ ومن طبيعتها الحركة دائما يقظة ونوما ، وبها يقتضى الحد الأوسط وتحاكى المدركات والهيئات المزاجية ، كمحاكاة السلطان بالشمس والوزير بالقمر ، وتحاكى الاخلاط الغالبة عليه بالوانها ، ولقائل ان يقول : ان المتخيلة المتصرفة في الصور والمعاني ان أدركتها ، فقد صدر عن القوة الواحدة البسيطة ادراك وتصرف ومنعتهم ذلك وان لم تدرك فمن ليس له ادراك كيف يتصرف بالتركيب ، والتحليل والتصرف فرع عن الادراك . وإذا تصرفت من غير ادراك وكان فعلها طبيعيا محضا ، فلا تكون على جهات مختلفة كتركيب وتفصيل ؛ وان كان اراديا لها فكيف إرادة دون ادراك أو لغيرها ؟ فلا يكون الغير ذا إرادة كلية ، إذ لا يتمكن من التركيب والتفصيل الجزئي ، فلا بد من صاحب إرادة جزئية يكون له التصورات الجزئية الحاصلة والأحكام الخاصة ، فيكون له الجمع والتفصيل بذاته ، وحينئذ لا يفتقر معه إلى اثبات المتخيلة الدال عليها التفصيل والتركيب فقط . ومحل الوهم والمتخيلة عندهم هو التجويف الأوسط من الدماغ . ولقائل ان يدعى ان الوهم والمتخيلة كليهما قوة واحدة هي الحاكمة والمركبة والمفصلة . ودليلهم على تغاير القوى ، هو اختلال بعضها مع بقاء بعض أو تعدد الأفاعيل واختلافها . فان استدلوا على التغاير بالأول ، فلا يمكنهم ان يدعوا بقاء المتخيلة سليمة دون ان يكون هناك حاكم وهمى في الجزئيات لكونهما في البطن الأوسط من الدماغ . ونحن عرفنا اختلال القوى باختلال مواضعها ، وحينئذ لا يمكن اختلال أحدهما مع بقاء الآخر ، فلا يتم دليلهم على التغاير ولا يمكنهم الاستدلال بتعدد القوى لتعدد الأفاعيل . فان القوة الواحدة جاز صدور افعال كثيرة عنها باعتبارات مختلفة . فالقوة البدنية لما كان
شرح حكمة الاشراق — صفحة 506 | شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري