بأنها ذوات قدسية قائمة بذواتها دون مكان ومحل وزمان ، والمشاهدة البصرية باقية مع النور المدبر الاسفهبذى الناطق . وكل مستعد لمشاهدة الأنوار العقلية باعتدال المزاج . إذا جاهد في اللّه حق جهاده وقهر الظلمات ، اعني القوى البدنية والأمور الحسية ، وتلطف بالعشق الروحاني والشوق النوراني فإنه يرى أنوار العالم العقلي مشاهدة أتم من مشاهدة المبصرات البصرية في عالمنا هذا . فنور الأنوار تبارك وتعالى ، والأنوار المقدسة العقلية القاهرة مرئية لا بالأنوار البصرية ، بل بما يناسبها من الأنوار المدبرة المجردة الناطقة ومرئية برؤية بعضها لبعض لنوريتها وتجردها وعدم الحجاب بينها ، فالأنوار المجردة كلها باصرة وليس باصرها يرجع إلى علمها ، بل علمها يرجع إلى بصرها فان علومها كلها مشاهدة حضورية اشراقية بصرية وهي الرؤية الحقيقية .
واعلم أن العلم بالشيء قد يكون بالرؤية ، وقد يكون بالبرهان . وقد تكون الرؤية مغايرة للعلم وقد تكون متحدة ؛ والمجردات بالكلية لما لم تكن لها آلة جسمانية كان علمها نفس بصرها . فلذلك كان علمها راجعا إلى بصرها لا ان بصرها راجع إلى علمها فعلمها نفس بصرها لتبريها عن القوى البدنية ؛ وما له قوى بدنية ، فقد يكون البصر مغايرا للعالم لعلمنا بوجود نور الأنوار والأنوار المجردة ووصفنا لها بالاحكام العقلية ؛ وقد يكون البصر فيها نفس العلم بها ، كمعرفة الانسان نفسه بنفسه ، فمعرفة الشيء قد تكون نفس رؤيته وقد تكون مغايرة له ؛ فجميع هذه القوى البدنية اظلال لما في النور المدبر الاسفهبذى والهيكل صنم له وطلسمه ؛ والمتخيلة أيضا وان كانت قوة مدركة ليست نفس الاستعداد فهي صنم للنور المدبر الحاكم على جميع الأشياء ، احكاما عقلية وحسية ؛ ولولا ان لها احكاما خاصة بذاته ما حكم بان له بدنا خاصا وقوى وحواس ظاهرة وباطنة وان له تخيلا جزئيا وان له قوة متخيلة جزئية إلى غير ذلك من الأحكام الخاصة الجزئية ، فهذه الأشياء المذكورة من البدن وقواه الجزئية غير غائبة عن هذا النور
شرح حكمة الاشراق — صفحة 511
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥١١