القوة الخامسة ، البصر ؛ قد مرّ ان الرؤية ليست بخروج الشعاع من العين لا يلاقى المبصرات ولا بانعكاسه ولا بانطباع الصور المرئية في الرطوبة الجليدية ولا في العصبتين المجوفتين ولا باستدلال ، بل الرؤية بمقابلة المستنير للعضو الباصر ، اعني العين التي فيها رطوبة صافية شفافة صقلية مرآتية ، فحينئذ يقع للنفس علم اشراقي حضوري على ذلك المبصر المقابل لها فتدركه النفس مشاهدة .
والسبب في رؤية الواحد اثنان على رأى أصحاب الشعاع ، انكسار أوضاع الشعاع عند البصر ، فيرى لذلك الواحد كاثنين متباينين . وعلى رأى أصحاب الانطباع فسببه انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الرطوبة إلى ملتقى العصبتين المجوفتين ، فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد على الاستقامة ، بل ينتهى كل منهما إلى جزء من الروح الباصر ، فحينئذ ينطبع من كل شبح خيال واعتبر بلمس حمصة بإصبعين متلويتين أوان الحركة الروح يوجب ارتسام الشبح فيه قبل التقاطع ، فيرى لذلك شبحين كما يرتسم من الشمس شبح في الماء الراكد مرة واحدة وفي التموج مرارا كثيرة . والعلة في رؤية الابعد أصغر والأقرب أكبر على قاعدة الانطباع ، ان الا بعد ينطبع في جزء أصغر والأقرب في جزء أكبر ، فإذا توهمنا خروج خطوط شعاعية من الجليدية إلى المبصر على هيئة مخروط مبدأه الجليدية دائرة صغيرة على قدرها ومنتهاه المبصر ؛ وتلك الخطوط على هيئة مثلثات متسعة الا سافل ضيعة الا عالي ، فكلما أقرب المبصر عظمت الزوايا التي عند البصر فيرى المبصر كذلك . وكلما بعد استدقّ المخروط فتضيق الزوايا مع دائرة المخروط التي عند البصر ، فيرى المبصر صغيرا ويزداد الصغر بازدياد البعد إلى أن تنمحى الصورة بالكلية ، كما هو عند البعد المفرط ؛ ولما كانت محسوسات البصر هي الأضواء والأنوار من الكواكب وغيرها والألوان ، فهي اشرف من سائر المحسوسات ، الا ان اللمس للحيوانات ، لما كان أهم من غيره لما عرفته . والاهم غير الأشرف . والمسموعات الطف من المبصرات من وجه آخر ، فان الأصوات الموسيقية الملذة المطربة تشوق النفس إلى
شرح حكمة الاشراق — صفحة 489
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٨٩