البدني كثيرة أيضا . إذ كل كثرة لا بد لها من مميّز لا يجوز ان يكون ذلك المميز نفس ماهيتها لتساوى النفوس في تمام الماهية ولا داخلا فيها ، لأنها بسيطة لا جزء لها ولا خارجا عنها ، إذ لو كان الخارج المميّز لازما للماهية كان متفقا في الكل ، وحينئذ يمتنع تمييزه لغيره ؛ وان كان مفارقا فهو غير موجود للنفوس المجردة قبل التعلق ، إذ العوارض المفارقة انما تكون في المواد والنفس لا مادة لها غير البدن ولا بدن لها قبل البدن ، وانما قلنا إن العوارض انما تكون بسبب المواد لان العرض المفارق لا يخصصه الفاعل العقلي بفرد دون غيره لتساوى جميع افراد النوع بالنسبة اليه ، فالمتخصص بفرد من النوع لا بد له من مادة توجب اختصاص ذلك العرض به ولا يمكن ان يمتاز النفوس قبل التعلق البدني بعضها عن بعض ، لشدة النورية وضعفها ، لأنها غير متناهية وشدة نوريتها متناهية ، إذ فوقها الأنوار المجردة وهي أشد نورية منها . فإذا تناهيت الشدة ولم تتناهى النفوس لزم ان يكون لكل رتبة من الشدة غير المتناهية حينئذ لا يمكن التمييز بينها أصلا ، فلما امتنع وحدتها وكثرتها قبل التعلق والتصرف في الأبدان فلا تكون قديمة موجودة قبل البدن .
قال الشيخ :
( 212 ) طريق آخر : ان كانت موجودة قبل الصياصي ، فلم يمنعها حجاب ولا شاغل من عالم النور المحض ، ولا اتفاق ولا تغير فيه ، فتكون كاملة ، فتصرفها في الصيصية يقع ضائعا . ثم لا أولوية بحسب الماهية لتخصص بعضها بصيصية ، والاتفاقات ، اعني الوجوب بالحركات ، انما هو في عالم الصياصي ، فيستعد الصيصية لنور ما بالحركات ، وليس في عالم النور المحض اتفاق تخصص ذلك الطرف . وما يقال « ان المتصرفات يسنح لها حال موجب لسقوطها عن مراتبها » كلام باطل ، إذ لا تجدد فيما ليس في عالم الحركات والتغيرات على ما علمت .
أقول : هذه حجّة ثانية على أن النفوس ليست قديمة موجودة قبل الأبدان .
شرح حكمة الاشراق — صفحة 482
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٨٢