مما يماسّه . فان سمّى بعض الناس ما اشتد حره من الهواء « نارا » وما ضعف حره « هواء » ؛ فلا منازعة معه فيكون اللطيف عنده هو الهواء باعتبار شدته كيفية واحدة وضعفها تنقسم إلى قسمين : يسمّى الأشد منه « نارا » والأضعف « هواء » فإنه ليس من شرط اللطيف كمال الحرارة فإنه بعد اللطف قد تقل فيه الحرارة فبعض الماء حرارته أشد من الهواء وليست الصور الإلهيات الظاهرة ، وإلى هذا الرأي ذهب بعض الأقدمين ، وفي كلام المعلم الأول ما يدل على هذا ؛ فإنه قال في اللفظ الذي له : واما الهواء والجرم الذي اعتدنا ان نسميه « نارا » وليس هو بنار إذ النار انما هي افراط الحرارة وغليانها وهما حول الأرض والماء اللذين في الوسط تحت العالم السمائى ، فان قلنا إن شدة حرارة ما عند الفلك بسبب حركته ، فما عند القطبين لما كانت حركته ضعيفة بطيئة ، فلا يكون ما عندهما شديد السخونة .
قوله : وقول القائل لو كانت النار حارة رطبة .
أقول : استدلّ الشيخ الرئيس ( ابن سينا ) على أن النار حارة يابسة انها لو كانت رطبة لوجب أن تكون هواء . فان طبيعته حارة رطبة . ولو كانت النار هواء موصوفة بالحرارة والرطوبة وجب ان لا تطلب مكانا أعلى ، كما هو المشاهد من ارتقاء شعل النيران وصنوبرات المصابيح إلى المواضع العالية ، بل كان ينبغي ان تقف عند أول هواء يلاقيها من الأرض ، وليس الامر كذلك . إذ لقائل ان يقول : ان الهواء ، اعني الفضاء الذي أوله من سطح الأرض ، والماء إلى سطح فلك القمر المقعر وان كانت طبيعة واحدة ، فهو مختلف الحرارة ، فكلما اشتدت حرارته أشد ارتقائه لشدة لطفه لا لان له حرارة أخرى حينئذ ويجوز ان يكون جسمان متساويين في الماهية والرقة واللطافة ومع ذلك يختص أحدهما بشيء يوجب السخونة الشديدة والارتقاء إلى قريب الفلك ، والآخر يقتضى سخونة فاترة والارتقاء إلى دون ارتقاء الأول . فالحرارة لا تلائم الغلظ والجمود الملايمين البرودة بل يلائمها الرقة واللطافة ، فظهر ان النار البسيطة ليست يابسة انها عسرة القبول للاشكال ، وان
شرح حكمة الاشراق — صفحة 460
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٦٠