الحرارة والحديد الحامي « 555 » يحرقان . واستدلالهم على ثبوتها بما يرى في فتيلة المصباح من شبه ثقبة في صنوبرتها ينفذ فيها يحرق ما لاقته ، فلا يدل ذلك على أن ما في تلك الثقبة نارا . فإنك عرفت ان الاحراق ليس من خاصية النار بدليل احراق الهواء ونفوذ البصر فيه لشفيفه ؛ وكلما كانت النار أقوى وأشد كانت أقدر على إحالة المادة إلى الهوائية بالتلطيف ؛ وكلما كانت أضعف من الحالة كان الدخان أقوى لعجز الحرارة عن احالته إلى النارية المستحيلة إلى الهوائية ، ولذلك يكثر الدخان في الحطب الرطب لضعف الحرارة والإحالة ويقل في اليابس لقوتها ، فأصول الشعل والفتيلة لقوة النارية هناك تتلطف وتصير هواء ويبقى فيه حرارة ما . ثم العجب ان هؤلاء يزعمون أن اليابس هو ما يقبل الشكل وتركه والاتصال والانفصال بصعوبة وليس ما عند الفلك والفتيلة كذلك ، بل ما عندهما يقبلان ذلك بسهولة . فالحق ان ما يقرب من الفلك انما هو هواء حار لا يفارق الهواء المعهود الا في حرارة تختلف بالشدة والضعف لا غير ؛ والذي قيل إن النار يابسة لتجفيفها الأجسام الملاقية لها ليس بحق ، فان التجفيف انما هو لإزالة الرطوبة الكامنة بالتلطيف والتصعيد لا ليبوستها في ذاتها ، وليس كما قيل إنها تفنى الرطوبة عن مادة نفسها لشدة حرارتها فتصير لذلك يابسة . فان على هذا القول كان ينبغي انها إذا حللت موادها بالتلطيف جعلها « 556 » بخارا أو هواء وحينئذ كان يجب ان تصير النار أرطب وأشد ميعانا ، فالأصول البسيطة العنصرية على رأى صاحب الاشراق ثلاثة ؛ الأرض والماء والهواء وله مراتب مختلفة ؛ فما قرب من الأرض تختلف حراريته وبروديته بسبب كثرة وانعكاس الأشعة وقلتها وما بعد عنه ، فهو بارد ، بسبب مخالطته للأبخرة الباردة ، ككرة الزمهرير ، وما فوق ذلك تختلف حرارته بالشدة والضعف ، وكله هواء تشتد حرارته كلما اقترب من الفلك حتى يكون أشده
شرح حكمة الاشراق — صفحة 459
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٥٩
هامش
( 555 ) س : الحديدة الحامية
( 556 ) س : يجعلها