فسّرنا اليبوسة بعسر الالتصاق بغيره وسهولة النفوذ ، فهي يابسة بهذا المعنى ؛ وهذا بعينه حكم الهواء وإذا كان كل ما يلزم النار فهو لازم للهواء من الرقة واللطافة وشدة الميعان وغير ذلك من الأحوال ، فيجب ان يجعل عنصرا واحدا تختلف حرارته بالشدة والضعف على انّا لا نسلم ارتقاء النار إلى العلو . ومن الذي شاهد نارا ترتقى على الحقيقة فقد علمت أن الشعل النارية المفارقة لأصولها تستحيل على الفور هواء ، على أن لقائل ان يقول : انه ليس في مقعر فلك القمر نار ، بل الهواء المجاور انما له يتسخن بحركة الفلك فقط الا ان هناك عنصرا ناريا . ثم إن المشائين القائلين بان العناصر أربعة منها تتركب المواليد المزاجية ، وان النار يابسة ادعوا في جميع الممتزجات الجسمية نارية ، والنار البسيطة على زعمهم تحت فلك القمر ، وهي لا تتحرك إلى الممتزجات بالإرادة ، إذ لا شعور لها ولا بالطبع إليها ، إذ حركتها بالطبع إلى فوق لا إلى أسفل ولا هي متحركة إلى الممتزجات بالقسر لعدم القاسر المنزل هناك ، إذ الفلك لا يدفعها ولا يجبرها على النزول الينا برد الليل على ما يظن . فان القاسر لها على النزول إذا كان هو البرد فلا بد له من الاستيلاء عليها وقهرها على النزول ، فيخرج بذلك عن النارية ، والنار التي عندنا تلطف وتحلل ولا يليق ان تقع في الممتزجات الا حرارة تامة وناقصة من أشعة الكواكب العلوية ، لا سيما النيّر الأعظم والسيد الأكرم روح العالم السفلى وسرور العالم العلوي . واما الماء ، فميعانه بسبب الحرارة والا إذا تمكن من البرد ، أو برد الهواء المستفاد منه ، فإنه يجمد كما في طميم الشتاء الا انه مع ذلك أقرب إلى الميعان من الأرض ؛ فالحر فيه غريب ليس من ذاته ، بل هو من الأنوار الكوكبية أو الحركة المسخنة المعللة بالنور . فإنك عرفت ان جميع المتحركات بالإرادة انما هي من الأنوار المدبرة الناطقة . واما البرد التام ، فليس معللا بمجرد الجسم العنصري والا لوجب وجوده فيه دائما ، وليس كذلك ، بل هو معلل بالجسم العنصري الأرضي أو المائي مع عدم وجود حرارة غريبة فيه ؛ فان البرودة لو عللت
شرح حكمة الاشراق — صفحة 461
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٦١