في نفسه يقبل الوجود والعدم ، إذ لو لم يقبل أحدهما لذاته لم يمكن ان يقبله ابدا فان للشيء من ذاته لا يفارقه في حال ما ، فالممكن في حال بقائه ان امتنع عليه العدم لذاته كان ذلك دائما وحينئذ يصير الممكن لذاته ، واجبا لذاته وهو خلف ؛ وان لم يمتنع عليه العدم لذاته في حال بقائه ، فهو ممكن لذاته في حال بقائه .
فكل ممكن مفتقر إلى مرجح لو أمكن استغنائه عنه لزم انقلاب الممكن لذاته واجبا لذاته وانقلاب الحقائق بعضها إلى بعض محال والمعلول يبطل اما لبطلان علته بالكلية أو لبطلان بعض اجزائها وبقاء البعض الآخر فان الشيء من الكائنات الفاسدات من المعادن والنبات والحيوان قد يبطل عند بطلان أحد الاجزاء التي لبطلان تركيبه عند فساد مزاجه مع بقاء علته الفياضة لوجوده ، لان وجود ذلك المركب يفتقر إلى علل أخرى استعدادية مادية والتئام اجزائها وسائر الشروط وزوال المانع حتى يقتضى المفارق ما يحتاج اليه ، فإذا زال أحد هذه العلل انفسد ذلك المركب وبطل مع بقاء علته الفياضة لتوقف وجوده على علل أخرى زائلة . وما يقال إن المعلول ربما استغنى عن العلة كما يشاهد بقاء البناء المعلول للبنّاء بعد موته .
وجوابه : ان المعلولات منها ما يكون علة وجوده هو علة ثباته بعينه ، كالمجردات والفلكيات ، ومنها ما يكون علة وجوده غير علة ثباته كالبنّاء والبناء ؛ فالأول ، إذا عدمت علة الوجود لا يمكن بقاء المعلول لأنها علة الثبات فإذا عدمت العلة التي هي علة الوجود والثبات معا امتنع وجود المعلول وثباته ؛ واما الثاني ، فإنه إذا عدمت علة الوجود ، فلا يلزم عدم علة الثبات المغايرة لعلة الوجود بالشخص فيستمر وجود المعلول فعلة الثبات الموجودة بعد زوال علة الوجود كما في البناء والبنّاء ؛ فان العلة الموجودة للبناء هي تحريك اجزاء البناء من الحجارة والجص والأخشاب وغيرها بعضها إلى بعض ، وهي باقية بعد تمام البناء سواء مات البنّاء أو لم يمت . وعلة الثبات هو تماسك الاجزاء ليبوسة العنصر ، فهو باق ما دام العنصر يابسا ، فإذا زالت اليبوسة التي هي علة البناء انعدم المعلول فانهدم
شرح حكمة الاشراق — صفحة 447
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٤٧