مبدأ الفطرة خالية عن العلوم الحقيقة وانما يحصل لها الكمال العلمي والعملي بالسعي العظيم والاجتهاد التام . والنفوس الفلكية ، وان كانت كاملة من جهة العلوم ، فهي تستكمل باجزائها بسبب حركاتها ووصول الفيض العقلي إليها والاشراق الإلهي على التدريج ، بحيث يحصل من كل حركة اشراق ومن كل اشراق حركة إلى غير النهاية ، على ما سيأتي تفصيله . فالأنوار المدبرة ، سواء كانت فلكية أو انسانية ، يجب نهاية قواها والآثار الحاصلة فيها . فان قواها ، لو كانت غير متناهية ما انحبست في العلائق الجسمانية الظلمانية ، التي ذواتها متناهية لتناهى الابعاد وتناهى حوادث القوى والشوق الطبيعي ، فان أصناف الشهوات والغضب وحوادثهما متناهية ؛ ولو كانت قواها وآثارها غير متناهية ، لم يمكن ان تجد بها شواغل الأجسام عن الأفق النوري الذي لا نسبة له إلى هذه الأجسام الخسيسة ؛ فان ذوات العالم النوري أتم وأكمل من الأجسام واللذة فيه أعظم ، فالحركات الفلكية الدائمة ليس لان قوى نفوسها غير متناهية . فان البرهان قائم على تناهى قوى النفوس ، فلكية كانت أو بشرية ، فدوام حركاتها انما يكون بمدد من الأنوار العقلية القاهرة التي قواها غير متناهية لكمال نوريتها وشدة ضيائها . وإذا كان الأمر كذلك ، فنور الأنوار وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى ، ولا يقال : كيف يصح ان يكون نور الأنوار وراء ما لا يتناهى من الآثار العقلية مما لا يتناهى من شدة النورية الغير المتناهية ؛ وغير المتناهى ينبغي ان لا يتفاوت ، لانّا نقول : ان غير المتناهى ينطلق اليه التفاوت من الزيادة والنقصان ، كما عرفته . والمئات والألوف الغير المتناهين مع تفاوتهما . وكل واحد من الأنوار المدبرة للبرازخ الفلكية لا بد وان يمدّه معشوقه وعلته ، وهو النور القاهر الذي هو صاحب الصنم بالنور والشوق والعشق والسرور إلى غير النهاية . وكل واحد من الأنوار القاهرة لا يأخذ المدد من نور الأنوار ولا البعض من البعض على سبيل التجدد ، فان العالم العقلي متنزه عن التجدد وهو ان يحصل لهم شيء لم يمكن ، بل الفيض الواصل إلى الأنوار المجردة من
شرح حكمة الاشراق — صفحة 411
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤١١