لأجل ما تحته من النوع حتى يكون غالبا ومثالا للنور العقلي المجرد ، فان القوم يقولون إن العالي لا يوجد لأجل السافل الذي تحته بالمرتبة ، ولو كان رأيهم هذا لوجب ان يكون للمثال مثال إلى غير النهاية ، وهو محال . بل يعنون بكل رب النوع ان نسبته إلى جميع اشخاص نوعه على السواء في اعتنائه بها ودوام فيضه عليها ، فكأنه الكل والأصل والنوع المادي هو الفرع والمثال والقالب ، ولا يظن أنهم يحكمون بان الأنوار القاهرة أرباب الأصنام النوعية مركبة بحيث يمكن انحلالها في وقت ما ، بل هي عندهم بسيطة هي أنوار قائمة بذاتها لا في « اين » وان لم يمكن ان توجد أصنامها الا مركبة ، لأن هذه الأنواع المادية وان كانت أمثلة لأرباب الأنواع النورية ، فليس من شرط المثال المماثلة للمثل من جميع الوجوه والا لزم ان يكون المثال بعينه هو الممثل . فلا يكون هناك تعدد ، بل اتحاد بالمثال يجب ان يطابق الممثل من وجه ويخالفه من آخر . فان حكماء المشائين سلّموا بان الانسانية التي في الذهن مثال للانسانية الخارجة مع أنها مطابقة للكثيرين ومجردة عن المادة . وما في الخارج غير مجرد عن المادة وما في الذهن غير متقدر ولا متجوهر ، وما في الخارج ليس كذلك ، فظهر انه ليس من شرط المثال المماثلة بالكلية من جميع الوجوه .
قوله : ولا يلزمهم أيضا .
أقول : القدماء القائلون بالمثل النورية الأفلاطونية لا يقولون إن لكل شيء مثالا ، كيف كان ، حتى يكون للحيوانية مثال ولكونه ذا رجلين مثال آخر ولكونه ذا جناحين مثال آخر . ولا للمسك مثال وللرائحة مثال آخر ، ولا للسكر مثال وللحلاوة مثال ، وكذا لكل عرض أو جوهر غير مستقل ، بل يقولون إن لكل نوع جسماني مستقل له رب نوع يناسبه من الأنوار المجردة ، فيكون كل نور مجرد من أصحاب الأصنام في عالم الأنوار المحضة له هيئات نورية روحانية هي أشعة عقلية وهيئات المحبة والقهر واللذة والعز والذل ، ونحوها من المعاني والهيئات ؛ فيقع ظله
شرح حكمة الاشراق — صفحة 395
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٩٥