وأنوارها المنعكسة من بعضها إلى بعض ، كما عرفت تفصيله . وهذه العناية التي مرّ فسادها وانها علة للوجود ونظامه كان قدماء المشائين يبطلون بها مذاهب القدماء القائلين بالمثل النورية وأرباب الطلسمات النورية التي هي علة الوجود والنظام الجسماني ، وهي في نفسها فاسدة . فالحق ان ترتيب البرازخ ونظامها انما هو عن تراتيب الأنوار المجردة المحضة واشراقاتها العقلية المندرجة بالمرتبة في النزول العلى الممتنع في البرازخ . فان الجسم لا يجوز ان يكون علة لجسم .
قوله : واعلم أنه إذا كان في سطح ما سواد وبياض .
أقول : إذا كان في سطح بياض وسواد ، وهو مقابلة البصر ، فان البياض يرى الينا أقرب من السواد لأنه أشبه بالظاهر الأشبه بالقريب ، والسواد يرى ابعد لأنه أشبه بالخفى الأشبه بالبعيد ، فالبياض مشاكل للنور والسواد مشاكل للظلمة ، إذ على البياض يلوح سائر الألوان ، كما أن في النور يرى سائر المرئيات ، ولا يظهر على السواد شيء أصلا . والنور والظلمة يسريان في الأجسام المشفة ، كسريان الروح في الجسد ، وينسلان منها دون زمان .
واما عالم النور المحض المنزّه عن بعد المسافة ، فكلما كان النور المجرد أعلى في مراتب العلل كان أدنى إلى الأدون لشدة ظهوره وقوة اشراقه . فالواجب لذاته نور الأنوار ابعد الأشياء عنا من جهة علوّ رتبته وأقرب الأشياء الينا من جهة شدة ظهوره وقوة نوريته والوسايط ، وان كانت أقرب الينا من جهة العلية والتوسط الا ان ابعدها أقربها من جهة شدة الظهور ؛ وأقرب الموجودات الينا نور الأنوار وشمس الشموس ، إذ لا اظهر وأنور واجل منه ، فهو لا محالة أولى بالتأثير في كل ذات وفي كمالها وما عداه وان كان له تأثير ما ، فمنه استفاد ذلك فهو القاهر لجميع الموجودات والغالب عليها فهو واهب ذواتها معطى كمالاتها لا إله الا هو اليه المصير . والنور هو مغناطيس القرب . فان العقل والنفس كلما كانت أشد نورا كانت أقرب من نور الأنوار ، واعتبر ذلك بالنور المحسوس .
شرح حكمة الاشراق — صفحة 384
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٨٤