تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
صورة المبصر في الرطوبة الجليدية وتأديها إلى ملتقى العصبتين المجوفتين على ما يراه المعلم الأول واتباعه . وأبطلنا أيضا رأى من يقول إن الابصار بخروج شعاع من البصر يلاقى المبصرات ، ولا هو أيضا بالاستدلال بالصورة المنطبعة على الخارج عن البصر على ما عرفت تفصيله . فالحق ان الابصار انما هو مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة مرائية وعندما يقع للنفس علم اشراقي حضوري على المبصر فتدركه النفس مشاهدة ، وحاصل الابصار يرجع إلى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر لا غير . وقد عرفت أيضا ان النفس الناطقة تدرك ذاتها بذاتها لا بصورة ومثال لذاتها في ذاتها بل لظهور ذاتها لذاتها وعدم الحجاب بينها وبين ذاتها . وإذا كان الأمر كذلك ، فنور الأنوار واجب الوجود لذاته لما كان نورا محضا مجردا عن المادة كان ظاهرا في ذاته وكان أيضا ظاهرا ذاته لذاته ، إذ الظهور المحض لا يمكن احتجابه عن ذاته . وكذلك جميع الموجودات العقلية والجسمية ظاهرة له تعالى ، فيدركها بالحضور الاشراقي وهو اشرف انحاء الادراك ، فإنه لا يتصور احتجاب شيء عن الظهور المحض ولا يجوز ان يكون ادراكه للموجودات بحصول صورها في ذاته ، فيتكثر ذاته المقدسة ويكون فاعلا وقابلا لها . وجهة الفعل غير جهة القبول ، فتكثر جهاته فلا يكون واحدا حقيقيا ؛ وإذا كان مدركا لجميع الأشياء بالحضور والإحاطة الاشراقية التي هي أشد وأقوى من كل ادراك لا بصورة ومثال ف
« لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ »
، فإنه لا يحجبه شيء عن شيء . قوله : فعلمه وبصره واحد . أقول : لا يجوز ان يكون في ذات نور الأنوار صفة حقيقية متقررة في ذاته ، كالحياة والعلم والقدرة وما يجرى مجراها ، إذ لا يجوز أن تكون واجبة فإنه لا واجبان في الوجود ولان الصفة تفتقر إلى محل والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، وكل ممكن يحتاج إلى علة ان كانت ذاته فيكون قابلا وفاعلا . وجهة الفعل غير