فتفتقر إلى تمييزات ومخصصات من الأوضاع والاحياز ، وغير ذلك من الاعراض المفتقرة إلى جهات مختلفة لا تحصى ، والاجرام الفلكية كلها بسيطة وطبيعة واحدة فتخصص كل كوكب بموضع معين لا يكون من لوازم الماهية لاستواء نسبتها إلى جميع مواضع الفلك الثامن . فلا بد من مخصص يخصص كل كوكب بموضع معين ووضع معين . وكل كوكب أيضا له نفس ناطقة ؛ ولكل من الأفلاك والكواكب له مادة وصورة جرمية وأخرى نوعية ، فلا تفي لجهات الثلاثة بهذه الكثرة العظيمة .
فالحق ان الأنوار المجردة القاهرة الصادرة عنها الاجرام الفلكية كثيرة جدا أكثر من عشرة وعشرين ومائة ومائتين والف ومائة الف ، ومن هذا الأنوار ما لا يحصل منها برزخ مستقل بنفسه ، كالأفلاك ، بل تكون مركوزة في الأفلاك وهي الكواكب ، فان الاجرام الفلكية المستقلة اعدادها أقل من اعداد الكواكب بكثير ، وهي مرتبة محيط بعضها ببعض إلى آخر الاجرام . فلا بد وأن تكون العقول المجردة كثيرة وان يكون لها ترتيب في النزول فيحصل من النور الأقرب الذي هو العقل الأول ، نور عقلي ثان ، ومن الثاني ثالث ، ومن الثالث رابع ، ومن الرابع خامس ، إلى أن يحصل من الأنوار العقلية سلسلة كثيرة العدد . ولما كانت هذه الأنوار المجردة الحاصلة من نور الأنوار بتوسط النور الأقرب وباقي الأنوار ليس بينها وبين النور الأول الواجب لذاته حجاب لتقدسها عن المواد والابعاد ، فكلها تشاهد نور الأنوار ويشرق عليها شعاعه وينعكس النور من بعضها إلى بعض .
وكل نور عال في المرتبة يشرق على كل ما تحته في المرتبة ؛ وكل نور سافل في المرتبة يقبل الشعاع النوري ما فوقه مرتبة مرتبة ، فيقبل الشعاع من نور الأنوار بتوسط كل واحد من الأنوار التي فوقه في المرتبة بحيث يكون النور الثاني المجرد يقبل من نور الأنوار مرّتين : مرّة بغير واسطة ومرّة بتوسط النور الأقرب .
واما النور المجرد الثالث ، فيقبل من نور الأنوار اربع مرّات : مرّة منه تعالى بغير واسطة ، ومرّة أخرى بتوسط العقل الأول ، ومرّتين ينعكس عليه مرّتى الثاني . واما
شرح حكمة الاشراق — صفحة 363
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٦٣