المستنيرات الكوكبية ، وغواسق غير مستنيرة الغالب فيها القهر وهي الاثيريات المتأبية عن الفساد المؤثرة ، وغواسق الغالب عليها المحبة والذل وهي العنصريات المطيعة لها العاشقة لأضوائها القبيحة عند احتجابها عنها . ثم النار لما قربت من الاثيريات ، لزمها أيضا قهر على ما تحتها ، وسنذكر شرح ذلك ان شاء اللّه تعالى .
أقول : يريد ان يبيّن صدور الكثرة عن الواحد الحق وترتيبها . وكنا قد ذكرنا ان النور الأقرب ، وهو العقل الأول ، يحصل منه نور مجرد آخر وبرزخ جسماني باعتبار غنائه بالأول وفقره في نفسه . وإذا حصل من هذا النور المجرد الثاني نور مجرد آخر وبرزخ جسماني ، وهكذا تحصل من كل نور مجرد نور مجرد وبرزخ جسماني إلى أن يحصل تسعة أفلاك كلية والعالم العنصري ، على ما يقوله المعلم الأول وأصحابه . والأنوار المترتبة المجتمعة معا يجب نهاية سلسلتها في النزول إلى نور لا يحصل منه نور مجرد ، فلا يستقيم ما ذكروه . فان كل كوكب من السيارات له فلك كلى ينقسم إلى : ممثل ، ومائل ، وخارج مركز ، وتدوير . وكرة الثوابت تشتمل على كواكب أكثر من قطرات البحار وذرات الرمال مما لا يتهيأ للبشر حصره ولا بد لهذه الكثرة بما فيها من الكثرة جهات لا يمكن حصرها عندنا . وهذه الكثرة بما فيها من الكثرة لا يتصور حصولها من النور الأقرب ، إذ لا جهات فيه كثرة تفي بجهات الاقتضاء . فإن كان هذا البرزخ الجسماني من أحد العوالي ، فليس فيه جهات كثيرة تحصل منها الثوابت وكرتها لا سيما على رأى من يجعل في كل عقل جهة وجوب وامكان فحسب ، وان حصلت الثوابت وكرتها من أحد العقول السافلة ، فكيف يمكن ان يكون أكبر من برزخ العوالي وفوقها وكواكبها أكثر من كواكبها ؟ ويؤدى إلى المحالات ، فلا يتم البرهان ، ولا يستقيم ما ذكره جماعة المشائين ان الثوابت صادرة عن عقل فيه جهات ثلاثة ؛ ولان الكواكب الثابتة ان اختلفت بالنوع فلا يمكن حصولها بالجهات الثلاث ، بل تفتقر إلى جهات كثيرة لا تنحصر عندنا ولا تنضبط ، وان كانت متفقة بالنوع
شرح حكمة الاشراق — صفحة 362
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٦٢