جميع الأنوار المجردة لعدم الحجاب بينها ، الا انه لشدة نورية العالي أو قهره للسافل لا يتمكن من الإحاطة به واكتناهه ، كما لا يتمكن النور البصري لضعفه عن الإحاطة بالشمس لشدة نوريتها ومع ذلك فإنه يشاهدها وينظر إليها لكن لا يحيط بها ؛ وكذا النور الأشد العرضي يحيط بالنور الأضعف ويقهره ، حتى ربما توهم الغافلون عدمه كما هو الحال في أنوار الكواكب . فان الشمس إذا طلعت لا يبقى لتلك الأنوار أثر ؛ فلا يحس ولا يدرك الا نور الشمس لشدته وقهره لتلك الأنوار واخفائها عن الحس البصري واستيلاء نور الشمس عليها . فيتوهم بعض الناس انها عدمت وان كانت في نفس الأمر موجودة قد طمسها شدة اشراق نور الشمس .
والأنوار إذا تكثرت يلزم ان يكون لكل عال في المرتبة العلية على سافل في المرتبة المعلولية قهر ويكون لكل سافل إلى كل عال شوق وعشق ، ويفسّرون « الشوق » بأنه الحركة إلى تتميم كمال عقلي أو ظني أو غيرهما ، وكل مشتاق اليه لا بدّ وان يكون حاضرا من وجه غائبا من آخر ؛ والمشتاق قد نال من جهة حضوره شيئا وفاته شيء من جهة غيبته وكل حيز فهو مؤثر والادراك المؤثر ، من حيث إنه مؤثر ، هو حب له . والحب إذا افرط يسمّى « عشقا » . والادراك كلما كان أتم والمدرك أشد خيرية كان العشق أشد والادراك لما لم يمكن الا مع الوصول التام . فالعشق لا يكون الا مع الوصول التام وهو اللذة التامة والابتهاج التام . فالعشق الحقيقي هو الابتهاج بتصور حضرة ذات ما هي المعشوقة ، فنور الأنوار تعالى له قهر بالنسبة إلى جميع الموجودات التي دونه ، فان شدة نوريته وقوة اشراقه العقلي لا يتناهى عند حدّ ولا يتخصص بشيء أو يقف عند حدّ يتصوره العقل ، بل هو ما فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى ولا يمكن ان يعشق غيره ، لان ما سواه معلوله وشعاعه وهو مقهور له ومستور عليه ، وهو حقير بالنسبة اليه ضعيف بالقياس إلى قوته لكنه يعشق نفسه لأنه أكمل الأشياء وأجملها وأتم الموجودات وأعظمها ، وكماله وجماله ظاهر له مدرك وهو اجل الأشياء وابهاها ، فظهوره لنفسه وادراكه لها أشد من كل ظهور
شرح حكمة الاشراق — صفحة 352
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٥٢