أقول : قد عرفت بطلان رأى من يقول إن الرؤية انما هي بخروج شعاع من البصر يلاقى المبصرات ، والفروع المبنية عليه . وكذلك بطلان رأى المعلم الأول : ان الرؤية انما هي بانطباع المرئيات في الرطوبة الجليدية وتأديها إلى ملتقى العصبتين المجوّفتين . فالرؤية انما هي بالاشراق الحضوري الذي للنفس على المرئيات بشرط مقابلة المرئى المستنير للعين السليمة من الآفات والموانع لا غير . وهذا سرّ شريف لا يطلع عليه الا من غلبت عليه الروحانية . واما الصور المتخيلة للانسان والصور المرئية في المرايا فليست عند متألهى الحكماء في مكان ولا جهة ولا في ذي وضع ولا موضوع لها من الأجسام التي بيننا ؛ والا لوجب ان ينالها ويجدها ، ودليلهم صور المرايا الغير الموجودة فيها ؛ وسيأتي الكلام في هذه الأشياء على التفصيل . وحاصل المقابلة يرجع إلى عدم الحجاب بين الباصر والمبصر فان هذا القدر موجب للابصار ولهذا فان القرب المفرط من العين انما كان مانعا من الرؤية لان الاستنارة بالأنوار العرضية أو النورية نفسها شرط لرؤية المرئى ، فلا بد من حصول النورين : اعني النور الباصر والنور المبصر ، والجفن عند الغموض انما لا يرى لأنه لا يتصور استنارته بالأنوار الخارجة « 456 » العارضية ونور البصر ليس له من القوة النورية البصرية ما ينوره ، فلذلك لا يرى لعدم استنارته ، وكذا الحال في كل قرب مفرط ؛ واما البعد المفرط ، فإنما كان مانعا من الرؤية لأنه في حكم الحجاب لقلة المقابلة وضعفها وهي شرط الرؤية . فالجسم المستنير أو النور نفسه كلما كان أقرب كان أولى بالمشاهدة والرؤية مهما بقيت الاستنارة أو النورية المقابلة . قال الشيخ :
شرح حكمة الاشراق — صفحة 349
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٤٩
هامش
( 456 ) س : + اى استنارة باطنة أو النور