منها حركات مختلفة . والجسم الواحد في حالة واحدة لا يمكن ان يتحرك بحركتين مختلفتين بذاته ولا قاسر لها ، فيلزم ان يكون بعض حركات الأفلاك بالعرض ، وهي أن تكون حركته تبعا لحركة حاوية فان الحاوي يحمل محويه معه في حركته مع كون المحوى متحركا بحركته الخاصة بذاته ، كالمارّ في السفينة الجارية على خلاف حركته ، فان ذلك المار يقبل الحركة بذاته والأخرى يقبلها بتوسط السفينة التي هو فيها . فالحركة اليومية التي اشترك فيها جميع الاجرام الفلكية لا تكون الا من جسم محيط شامل متحرك ومحرك لجميع الأفلاك ، ولكل واحد منها حركة أخرى . ومحرك كل واحد من هذه الاجرام الفلكية حي بذاته ومدرك لذاته ، فيكون نورا مجردا قائما بذاته ، فإنه لما لم يكن لاجرام الأفلاك ميل يخالف ميل نفوسها فليس لنفوسها وأبدانها الا ميل واحد بخلاف أبداننا ، فان ميلها يخالف ميل نفوسها لميل الأبدان إلى جهة المركز وميل النفس قد يكون إلى جهة موافقة لحركة البدن وقد يكون إلى خلافها .
وإذا ثبت الميل المستدير الارادى لكل واحد من الأفلاك ، لزم أن تكون لها نفوس مجردة نورانية ناطقة مدركة للمعقولات . ويظهر لك من هذا ان الاجرام الفلكية بسبب الحركة الدائمة المستمرة مقهورة للأنوار المجردة النفسية والعقلية لتحريكها تلك الحركات الدائمة ، فهي لذلك آمنة من الفساد والشهوات والغضب ، فلا تكون حركاتها لمطلب شهوانى أو غضبى . فان المقصود من الشهوة حفظ الشخص والنوع ومن الغضب الاحتراز عن المفسدات والموت . وما لا ينفسد لا يفتقر إليها وانما لم تتكون الأفلاك فلا تنفسد لان كل كائن فاسد لا بد له من حركة مستقيمة . واما عند الكون ، فوجوب حركة بأجزائه بالاستقامة عن أماكنها إلى مكان المركب المتكون ؛ واما عند الفساد ، فظاهر لتفرّق الاجزاء وانفصال بعضها عن بعض بالحركة المستقيمة ، والحركة المستقيمة انما تكون عن ميل مستقيم والثابت للافلاك الميل المستدير دون المستقيم لامتناع اجتماع الميلين على ما
شرح حكمة الاشراق — صفحة 343
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٤٣