اقتضاء الجسم الظلماني فيحتاج إلى جهات في ذاته متعددة ، وهو محال . لكن الأنوار المجردة العقلية والعارضة كثيرة ، فلو أمكن صدور الجسم الظلماني عنه لكان واحدا فلم يوجد غيره من الموجودات النورية والظلمانية ، والوجود يشهد بخلافه . فالواجب لذاته ، وهو نور الأنوار المجرد الواحد ، لما لم يجز ان يحصل به على وحدته الحقيقية كثرة بوجه ما وامتنع حصول ظلمه جسمية من جسم أو هيئة عرضية ، وكذلك لا يحصل منه نوران لافتقارهما إلى جهتين متغايرتين في ذات الواحد تعالى ، وظهر فساده . فأول ما حصل من نور الأنوار تعالى وتقدس نور مجرد واحد عقلي سمّاه المشاءون « عقل الكل » ، اما انه عقل لمجموع العالم أو لأنه علة الفلك الاعلى وعقله ونفسه ، ويسمّون جرمه « جرم الكل » وحركته « حركة الكل » لشمول جرمه وحركته لجميع الاجرام ، والحركات الداخلة تحت حركته ، ويسمّيه بعض الأوائل ب « العرض الأول » ، لأنه أصل جميع الممكنات وأشرفها وأقربها اليه ، إذ لا واسطة بينه وبينه ولا يمتاز هذا النور العقلي من نور الأنوار بهيئة عرضية ظلمانية في ذاته النورانية مستفادة من نور الأنوار ليلزم منه كثرة جهات نور الأنوار ، وهو محال . مع أنك قد عرفت ان الأنوار المجردة العقلية لا يمكن ان تختلف بالحقائق ، وانما هو نوع واحد ، والتمييز بينهما بالكمال والنقص وهو خارج عن التمييز العقلي والعرضي وهو راجع في الحقيقة إلى الزيادة في الذات الكاملة ولما كان النور المستفاد من المحسوسات لا يكون في الكمال والشدة كالنور المفيد ، كما هو الحال في النور الشمسي وشعاعها . فكذا يكون الحكم في الأنوار المجردة العقلية . فان النور المجرد المستفاد من نور الأنوار ، وان كان أشد نورية واشراقا وأعظم كمالا بالنسبة إلى ما دونه من الأنوار المجردة العقلية ، فهو أضعف نورية واشراقا وأقل كمالا بالنسبة إلى نور الأنوار « 442 » بل لا يشبه نوريته واشراقه المتناهى إلى نور الأنوار الغير المتناهى شدة واشراقا وكمالا وسناء ومجدا وعظمة
شرح حكمة الاشراق — صفحة 330
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٣٠
هامش
( 442 ) س : + المجرد