تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
فتصير كأنها جوهر واحد ، لأنها أنوار محضة لا ظلام فيها ولا تباين بينها وهي لشدة نوريتها وصفاتها وقوة اشراقها ولمعانها لا يدركها الحس ولا ينالها البصر ، ومن غاية لطافتها وقوة شفيفها وشدة صفائها ونوريتها يختارها العقل ولا يجول فيها الخيال ، ولقوة اشراق ذواتها النورية لا تنفذ فيها الأوهام الكثيفة ؛ وبالجملة لشدة نوريتها وقوة اشراقاتها ولطفها ودقتها وافراط ظهورها وجلائها يتجافى عنها الحواس وتنبوا عنها القوى ، بل أكثر النفوس لا تصل إلى ادراكها . قوله : وهو الغنى المطلق . أقول : يريد ان يبيّن برهان وحدانية الواجب وما يتعلق بذلك ، فذكر انه « هو الغنى المطلق » . وعرفت ان الغنى هو الذي لا يفتقر في ذاته ولا في كمال لذاته إلى غيره على الاطلاق ، وكذلك قيّد الغنى المطلق لئلا يكون غنيا من وجه فقيرا من آخر . وقوله : « وهو الغنى المطلق » ، إذ ليس وراءه شيء من مراتب العلية لا فتقر اليه ، فلم يكن غنيا مطلقا ، وفرضناه كذلك لانتهاء السلسلة الممكنة اليه . فلا يكون وراءه شيء ، فيكون لا محالة غنيا مطلقا . والغنى المطلق هو الذي لا يستغنى عنه شيء إذ لو استغنى عنه شيء لكان فقره إلى الغنى أولى بالغنى من فقره ويلزم من الاستغناء ان ينتقى عن الغنى المطلق ما هو الأول ، فهو عادم كمال وكل كذا يفتقر إلى غيره في تحصيل ذلك الكمال فلا يكون غنيا مطلقا ، فلو استغنى عن الغنى المطلق لا يستغنى عنه شيء وكل غنى مطلق لا بدّ وان يكون ملكا مطلقا والا لما كانت ذات كل شيء له إذ الملك من له ذات كل شيء ، فإذا لم تكن ذات كل شيء له استغنى عنه بعض الأشياء ، وحينئذ لا يكون غنيا مطلقا ، وفرضناه كذلك . وهذا يدلّ على وحدانية الواجب لذاته ، إذ هو غنى مطلق إذ لو كان في الوجود غنيا مع أنهما نوران مجردان لم يكن اختلافهما في الحقيقة النورية ، لما عرفت ان الأنوار غير مختلفة بالحقائق ، فإذا اشتركا في الحقيقة النورية المجردة لا بدّ بينهما من مميّز ، ولا يمتاز أحدهما عن الآخر بنفس ما