تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
العدم ، فإنه لو كان ممكن العدم لكان ممكن الوجود ، ولم يترجح تحققه من نفسه على ما دريت ، بل بمرجح ، فلم يكن بغنى حقا ، فيحتاج إلى غنى مطلق هو نور الأنوار لوجوب تناهى السلسلة . أقول : يريد اثبات الواجب لذاته ووحدانيته وبراءته عن صفات النقص وامتناع العدم عليه ؛ فذكر ان النور مجرد عن المواد الجسمية ، إذ كان محتاجا وفقيرا في ذاته ، فيمتنع ان يكون احتياجه إلى الجوهر الجسماني المظلم الميت بحيث يكون علة له . فان العقل الصريح يشهد بان العلة اشرف من المعلول وأتم منه من جميع الجهات لا في جهة واحدة ، فكيف يجوز ان يوجد الجوهر الغاسق الجسماني الميت النور المجرد الذي هو أفضل منه واشرف وأتم ذاتا ؟ فالنور المجرد ، إذا كان فقيرا في ذاته وتحققه ، فيجب ان يكون فقره ذلك إلى نور مجرد قائم بذاته ، وهكذا هذا النور المفتقر اليه مفتقر إلى نور آخر مجرد قائم بذاته ؛ ولا تذهب هذه الأنوار المجردة القائمة بذاتها إلى غير النهاية لترتبها واجتماعها ، على ما عرفت ، ان السلسلة المترتبة المجتمعة اجزائها في الوجود يجب نهايتها ، فلا بدّ وان تنتهى السلسلة المؤلفة من الأنوار المجردة والعارضة والجواهر الجسمانية وهيآتها إلى نور مجرد عن جميع المواد قائم بذاته ليس ورائه نور أصلا هو أفضل الموجودات وأشرفها وأظهرها واجلاها وأوضحها ، وهو نور الأنوار ، والنور الأتم المحيط بجميع الأنوار النافذ فيها لشدة ظهوره وكمال اشراقه ولطفه ، وهو النور الحقيقي العظيم الشديد الذي لا نهاية لظهوره واشراقه وقوة لمعانه ، وسائر الأنوار بالنسبة اليه أشعة ضعيفة وأنوار شفافة حاصلة من اشراقات شمسه ومستفادة من لمعان نوره ، فلا نور في الحقيقة الا نوره ، ولا وجود الا وجوده ، فهو النور المقدس والنور الأعظم الاعلى القهار لجميع الأنوار لشدة اشراق النور الغير المتناهى شدة وقوة والأنوار المجردة العقلية كلها أشعة نوره غير منفصلة عنه ، بل متحد به نوعا من الاتحاد والنور العالي محيط ومشتمل عليها ضرورة اشتمال النور الأشد واحاطته بالأضعف ،
شرح حكمة الاشراق — صفحة 316 | شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري