نورين في حقيقة نفسيهما فيكونان اما جوهرين جسميين مظلمين ، أو هيئتين مظلمتين ، أو أحدهما جسما ظلمانيا والآخر هيئة ظلمانية . فالمجموع المركب منهما لا يكون نورا في نفسه ، فان كل مركب مما ليس بنور يمتنع ان يكون نورا وان كان أحد الجزءين نورا والآخر ليس بنور فليس له مدخل في الحقيقة النورية فلا يكون جزءا ، وفرض كذلك ، هذا خلف . فالنور كله ، جوهره وعرضه ، حقيقة واحدة لا تختلف بالنوع بل بالكمال والنقص ، وسيأتي الفارق بين الأنوار على التفصيل .
قال المشاءون ان الأنوار المجردة العقلية كل واحد منها نوعه في شخصه ، كالأفلاك والكواكب والنفوس البشرية ، نوع آخر ؛ وكل واحد من نفوس الأفلاك والكواكب كذلك ، وحجتهم في تكثر الأنواع العقلية بالنوع انها لو كانت من نوع واحد ، فليس كون البعض علة لبعض آخر أولى من العكس لاستوائهما في الحقيقة النورية فلو تخصص البعض بالعلة دون الآخر كان ذلك ترجيحا من غير مرجح .
وأجيب عنه : ان ذلك انما يلزم عند اتفاق العقول في النوع مع رتبة الوجود وهو الكمال والنقص ، ولما كانت متفاوتة في مراتب الوجود ومختلفة بالكمال والنقص ، فيكون كمال ذلك يقتضى ان يكون علة ونقص هذا يقتضى ان يكون معلولا ، فان النور التام علة لوجود الناقص دون العكس ، وذلك ليس ترجيحا من غير مرجح .
وان أرادوا باختلاف النوع ان اختلاف النوع بالكمال والنقص في نفس الماهية ليس بأمر خارج عنها ، بل ذلك نفس الحقيقة ، فلا مشاحّة في ذلك بعد العلم بأنها اختلاف الكمال والنقص ليس كاختلاف الفصول المنوّعة المغايرة لما به الاشتراك .
قال الشيخ :
شرح حكمة الاشراق — صفحة 312
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣١٢