أقول : هذا ايضاح آخر متعلق بالمعنى المذكور المتقدم ، وانما ذكر هذا البحث وكرّره بعبارات مختلفة وبالغ في ايضاحه لأنه بحث مهم هو والذي قبله والذي بعده ؛ ومن لم يرزق فهم هذه المعاني ولم يتيسّر له فليس بحكيم ، ولا يستحق اسم الفيلسوف . قوله : « لو أظهره عند نفسه شيء لا ظهره النور » يشير إلى أن الأجسام التي ذكر انها لا يمكن ان يظهرها شيء عند نفسها ، إذ لا أقرب من أنفسها إلى نفسها وقد خفيت أنفسها على أنفسها ، فكيف يظهرها عند أنفسها شيء آخر ولو أظهرها عند أنفسها شيء لوجب ان يظهرها النور الذي هو في نفسه ظهور ، وكان يلزم من ذلك ان يكون جميع الأجسام المستنيرة ظاهرة لانفسها ومدركة لذواتها ، فكانت حية ، وليس الامر كذلك . فايّ خصوص فرضناه للأجسام بسبب عوارض وهيئات جسمانية ظلمانية ، فان ذلك لا يقتضى ان يظهرها والا لاظهرها الأنوار العرضية لانفسها حتى تكون ظاهرة عند أنفسها . وقد ظهر من طريق آخر ان كل ما ظهر نفسه لنفسه فان ظهوره لنفسه ليس بهيئة ما عرضية ولا جوهر جسماني ما مظلم ، بل ظهور الشيء لنفسه يستدعى ان يكون نورا لنفسه وظاهرا بنفسه لنفسه قائما بها والجسم وهيئاته ليس كذلك .
( قال الشيخ ) :
قاعدة ( في أن الجسم لا يوجد جسما )
( 124 ) وإذا دريت انك في نفسك نور مجرد ولست تقوى على ايجاد برزخ ، فإذا كان من النور الجوهري الحي الفاعل ما يقصر عن ايجاد البرزخ ، فالأولى ان يقصر البرزخ الميت عن ايجاد البرزخ « 423 » . أقول : يريد ان يبيّن ان الأجسام لا توجد عن الأجسام ، وبيان ذلك ان النفس الناطقة ، التي هي جوهر نوراني مجرد عن المادة ، مدرك لذاته ولغيره حتى أن
هامش
( 423 ) يش ؛ ش : البرازخ