العقلية ، فإنها موجودة في نفسها في الأعيان وهي مدركة لذواتها وظاهرة لانفسها فلا تغيب عن نفسها ؛ وإلى نور هو لغيره ، وهي الأنوار العارضة التي هي لمحالّها لا لانفسها فهي وان كانت أنوارا في أنفسها لظهورها واشراقها في نفس الامر ، فليست أنوارا لانفسها بمعنى كونها لانفسها وظهور ذواتها لذواتها إذ وجودها لغيرها فلا تكون مدركة لانفسها . واما الجواهر الجسمانية الغاسقة ، فلما لم تكن ظاهرة في أنفسها لعدم النورية فيها من حيث الجوهرية الجسمية لم تكن ظاهرة لانفسها ، فلا تكون مدركة أصلا ، لا لذواتها ولا لغيرها . والحياة لما كانت عبارة عن كون الشيء ظاهرا لنفسه ، وكان الحي هو الدّراك الفعّال والادراك على ما مرّ هو ظهور ذات الشيء لذاته ، والفعل من خاصية النور الظاهر فإنه فيّاض الذات لذاته ، فيلزم ان يكون النور المحض هو القائم بذاته المجرد عن الحوامل حيّا ، وكل حي لا بدّ وان يكون نورا محضا .
واما الجوهر الجسماني الغاسق ، فيمتنع ان يكون مدركا لذاته إذ لو أدرك ذاته كان نورا لذاته وظاهرا لذاته ، فلم يكن جوهرا جسمانيا غاسقا ، وفرض كذلك ، هذا خلف . ولو اقتضى الجسم البرزخي ، أو جسم ما ، من حيث الجسمية الحياة والعلم لوجب حصول الحياة والعلم لكل ما يشاركه من الأجسام ضرورة وجوب وجود المعلول عند وجود العلة التامة ، وليس الامر كذلك ؛ ولا يجوز ان يقال انّنا نفرض الحياة والعلم للجوهر الجسماني الغاسق لا لذاته ، بل لهيئة حالّة في ذاته زائدة عليه ، لانّا نقول تلك الهيئة الحالّة في ذات الجسم ان كانت ظلمانية ، فليست ظاهرة بذاتها ولا لذاتها ، فلا تكون هيئة ولا مدركة لذاتها ، فكيف لا يكون الجسم الجمادى وهي غير حية ولا عالمة حية وعالمة ؟ وان كانت تلك الهيئة الحالّة في الجسم نورية عرضية له ، فهي وان كانت ظاهرة في نفسها لنوريتها ، فليست ظاهرة لنفسها ، فإنها نور لغيرها لا لنفسها ، فليست حيّة ولا عالمة ، فلا يكون الجسم بسببها حيّا عالما . وإلى هذا أشار بقوله « وان فرض للجوهر الغاسق
شرح حكمة الاشراق — صفحة 307
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٠٧