بصيرة بمعرفة نفسه ، فان معرفة النفس أهم الأبحاث الحكمية وهي أم الحكمة وأصل الفضائل ومعرفة دقايق الحكمة واسرار الحكماء المتألهين موقوف على معرفتها ، كما جاء في الوحي القديم : « اعرف نفسك يا انسان ، تعريف ربك » ؛ وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » و « أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه » ؛ وقال أفلاطون « من عرف ذاته ، تأله » ؛ وقال أرسطوطاليس « معرفة النفس بعينه في كل حق معونة عظيمة » ؛ وأمثال هذا كثير في كلام الفضلاء المتألهين .
إذا عرفت هذا فنقرر ما ذكره في العبارة فنقول : ليس كل من له ذات مجردة عن المادة ان يقول « ان أنيتى شيء يلزمه الظهور » حتى يلزم من ذلك ان يكون ذلك الشيء خفيا في ذاته ، بل هو نفس الظهور والنورية والصفا والاشراق لا غير .
وقد مرّ ان الشيئية والجوهرية من المحمولات العقلية والصفات الاعتبارية وكذا كون الشيء حقيقة وذاتا وماهية وأمثال ذلك . وقولهم « ان الادراك عدم الغيبة عن الذات المجردة عن المادة » فعدم الغيبة قيد سلبى يمتنع ان يكون ذات النفس ، وإذا لم تكن هذه الأشياء المذكورة ماهية النفس ، فبقى أن تكون نفس الظهور والنورية . وكل من أدرك ذاته فهو نور محض ، وكل نور محض فهو ظاهر لذاته ، ومدرك لذاته فالمدرك والمدرك والادراك هاهنا واحد ، كما يكون العقل والعاقل والمعقول واحدا ، هذا هو آخر الطريق .
قال الشيخ :
حكومة ( في ان ادراك الشيء نفسه هو ظهوره لذاته لا تجرده عن المادّة كما هو مذهب المشائين )
( 119 ) ونزيد فنقول : لو فرضنا الطعم مجردا عن البرازخ والمواد ، لم يلزم الا ان يكون طعما لنفسه لا غير . والنور إذا فرض تجرده يكون نورا لنفسه ؛