تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
بصحيح . إذ لا يرجع الشعور في المفارقات العقلية إلى عدم الغيبة ، بل الحق ان عدم الغيبة كناية وتجوز عن الشعور بالذات على هذا التقدير ، فان بعض الحكماء عرّف العقل انه عدم الغيبة عن الذات المجردة عن المادة وهذا أولى من قولهم ان التعقل حضور الشيء للذات المجردة عن المادة فان الشيء لا يحضر عند ذاته لكنه لا يغيب عنه ، فهو أعم . وكان عند جماعة المشائين كون الشيء مجردا عن المادة هو غير غائب عن ذاته هو ادراكه . ولقائل ان يقول : ان المادة نفسها كما اعترفوا به انه يحصل تخصصها بالهيئات الجسمانية فهب ان الهيئات العرضية الجسمانية منعتها المادة التي هي حالة فيها عن التجرد عن المادة وعدم الغيبة الذي هو عبارة عن الادراك ، فالمادة نفسها ما الذي منعها عن ذلك وهي مجردة عن مادة أخرى وماهيتها لنفسها ، فيجب ان لا تغيب عن ذاتها فان عدم الغيبة ، كما مرّ ، هو عدم بعدها عن ذاتها ، فيلزم أن تكون مدركة لذاتها ولما يحلّ فيها كالمجردات العقلية وقد اعترف المشاءون بان الهيولى انما تتخصص بالهيئات التي تسمّى عندهم « صورا جوهرية » ؛ والصور إذا حلّت في ذواتنا وحصلت لنا أدركناها ، وليست الهيولى في ذاتها الا شيئا ما مطلقا أو جوهرا ما إذا قطعنا النظر عن المقادير وجميع الهيئات كما هو رأيهم اللازم عنه ان لا يكون شيء في حد ذاته أتم بساطة من الهيولى الأولى ، لا سيّما إذا أخذ جوهريتها عبارة عن سلب الموضوع ، كما قالوا إن الجوهر موجود لا في موضوع والموجود أمر اعتباري والباقي أمر سلبى ، وسائر الصور والاعراض كلها خارجة عن ماهية الهيولى ، فلم يبق الا شيء ما مطلقا على ما يلزمهم وهي مجردة عن المادة ، فذاتها حاصلة لذاتها فلم ما أدركت ذاتها بسبب هذا التجرد عن الحوامل والاجزاء وشدة بساطتها ؟ ولم ما أدركت الصور الجوهرية والهيئات العرضية الحالّة فيها ؟ على انك عرفت ان الجوهرية والشيئية والوجود وأمثالها كلها اعتبارات عقلية لا وجود لها في الأعيان . فيكون الهيولى اللازم ان يكون على رأيهم شيئا ما مطلقا