لا بدّ وان يكون مجردا ؛ ولا نعنى بالنفس الا ذلك الغير المدرك لذاته ولغيره ، ويعود الكلام إلى الغير المدرك لذاته ولغيره ، أهو مدرك لذاته بذاته أم بغيرها ؟
وليس بالغير ، لئلا يتسلسل إلى غير النهاية ، فهي بذاتها لا بغيرها . ولان كل عاقل إذا رجع إلى ذاته يعلم أنه هو المدرك لذاته بذاته لا ان غيره هو المدرك وهو بديهي يكفى فيه التنبيه والاخطار بالبال ، وهو من الضروريات عند الأذكياء والمفتقر إلى التنبيه عند غيرهم ؛ فثبت ان كل قائم بذاته مدرك لها فادراكه لذاته بذاته ولا يجوز ان يكون ادراكه بذاته بحصول أثر لذاته في ذاته لان ذلك الأثر الحاصل من الذات في الذات ان كان غير مطابق للذات فلا تكون النفس مدركة لذاتها ؛ وان كان الأثر مطابقا لذات النفس فهو صورتها ومثالها ويمتنع ان تدرك النفس ذاتها بصورة ، والمثال لذاتها في ذاتها وجوه : الأول ، ان علم النفس بذاته ان كان بصورة ومثال ، والصورة والمثال الذي في النفس ليس هو النفس بعينه ، بل صورتها ومثالها وهي زائدة على ذات النفس . ومثال الانائية التي هي النفس غير النفس بالضرورة ، فلو كان ادراك القائم بذاته المدرك لها بصورة ومثال لذاته في ذاته لزم ان يكون ادراك الانائية بعينها ادراك ما هو هو ، اى ادراك ما هو مثال وصورة له ، وان يكون ادراك القائم بذاته المدرك لذاته ادراك غيره ، وهو محال ، لان كل مدرك لذاته فهو مدرك لعين ما به انائيته لا لصورتها ومثالها ؛ هذا بخلاف الخارجيات التي يدركها بالصورة والمثال ، فالمثال وما له ذلك المثال كلاهما هو المدرك ؛ الثاني ، لو كان القائم بذاته المدرك لها مدركا لها بالصورة والمثال ، فان علم أن ذلك المثال مثال ذاته وصورتها فيكون قد أدرك ذاته لا بالمثال للزوم تقدم العلم بذاته حتى يعلم بعد ذلك ان ذلك المثال مثال ذاته وان لم يعلم ذاته وفرض عالما ، هذا خلف ؛ الثالث ، لو كانت الذات القائمة بذاتها المدركة لها بالصورة والمثال فتلك الصورة والمثال ان كانت صورة ومثالا للذات من حيث هي مطلقة ، لزم ان لا تدرك الذات المتخصصة من حيث هي هذه الذات المتخصصة . ونحن نتكلم
شرح حكمة الاشراق — صفحة 297
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٩٧