فحركته ان كانت بالإدارة فإرادته اما له أو لنا ؛ فإن كان له ، فهو حيوان ذو شعور وادراك ، فيكون ادراكه له لا لنا ؛ وان كان ارادته لنا كان لنا ان نقبضه الينا بحيث يفتح البصر ولا يرى شيئا لا من المضيئات ولا من المستضيئات لانقباض الشعاع الينا بالإرادة ، وليس الأمر كذلك ؛ وان كانت حركته بالطبع وجب ان لا يتحرك إلى جهات مختلفة ، بل كانت حركته إلى جهة واحدة كالأجسام العنصرية ؛ لأن الابصار لو كان بخروج شعاع من العين يلاقى المبصّر لوجب ان يكون نفوذ تلك الأشعة التي بها الابصار في المائعات التي لها لو كان ، كالخل والماورد والادهان وغيرها ، أولى من نفوذها في الزجاجات الصافية لصلابتها وليس المائعات السهلة النفوذ للينها ، وكذلك كان ينبغي ان يكون نفوذ الأشعة في الأواني الخزفية أولى من نفوذها في الزجاجات الصافية لكثرة مسام الخزفية وقلة الزجاجية ، وليس الأمر كذلك ؛ وأيضا لو كانت الرؤية الأشعة الخارجة من البصر لما أمكن ان تشاهد الكواكب القريبة والبعيدة دفعة واحدة على ما هو الواقع في الوجود ، بل كان يجب ان تختلف الرؤية والمشاهدة بحسب اختلاف نسبة المسافة فلم تشاهد الثوابت التي هي في غاية البعد مع القمر الذي هو أقرب الينا مع بعد المسافة بينهما ؛ ثم لو كان الشعاع جسما وبه الرؤية فكيف تحرك دفعة واحدة إلى الأفلاك وخرق طبقاتها حتى وصل إلى الثوابت في آن مع أنه لا حركة دفعية ، والأفلاك لا تخرق ؛ وكيف انبسط ذلك الشعاع الخارج من الحدقة الصغيرة على نصف كرة العالم دفعة واحدة فأدركها ؟ وهذا من العجائب التي ليس في العالم أعجب واغرب منها ؛ وإذا ظهر استحالة هذه الأمور كلها فالحق ان الرؤية ليست بالشعاعات .
واما رأى من ظن أن الابصار انما هو بخروج شعاع من العين يتصل بالهواء المتصل بالمرأى ، فهو باطل . لان الشعاع الخارج من العين لو أحال الهواء
شرح حكمة الاشراق — صفحة 265
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٦٥