اسودية من غيره ليس بأمر زائد على الاسودية ، بل لكمال في نفس السواد غير زائد عليه ، فكذا الوجود الواجب يمتاز عن الوجود الممكن لتأكده وتماميته . فقد اعترف هاهنا بجواز أن تكون للماهيات تمامية في ذاتها مستغنية عن المحل ونقص محوج اليه كما في الوجود الواجب وغيره .
أقول : ومن جملة الغلط الواقع بسبب أخذ مثال الشيء مكان ذلك الشيء قول جماعة المشائين في ابطالهم مثل الإلهي الأفلاطونية النورية القائمة بذاتها ان كل حقيقة نوعية لها طبيعة واحدة لا يختلف مقتضاها ، فإذا افتقرت بعض جزئياتها إلى المحل وجب أن تكون الحقيقة النوعية لذاتها تفتقر إلى المحل أيضا وحينئذ لا يمكن استغناء شيء منها عن المحل ، فلو كانت الصورة النوعية في العالم العقلي قائمة بذاتها وجب ان يكون الكل كذلك ، فلا يتصور حلول شيء مما يشاركها في الحقيقة النوعية في المحل . لكن الصور النوعية ، كالانسانية والفرسية والمائية والنارية وغير ذلك مما يشاركها في الحقيقة ، قد حلت في محل فلا يمكن قيام شيء منها بذاتها ويلزم من ذلك ان لا يكون المثل النوعية المجردة عن المادة المسماة بالمثل الأفلاطونية موجودة في العالم العقلي . والجواب ان هذا الغلط واقع بسبب أخذ مثال الشيء مكانه فان المشائين اعترفوا بان صورة الجوهر تحصل في الذهن وهي عرض فيه ؛ فإنكم حكمتم بان الشيء له وجودان : وجود في الأعيان ووجود في الأذهان ؛ فإذا جوّزتم حصول حقيقة جوهرية في الذهن مع أنها عرض فلم ما جوّزتم أن تكون الحقائق في العالم العقلي قائمة بذاتها ويكون لها أصنام في عالمنا هذا غير قائمة بذاتها ؟ فان الحقائق النورية الأصلية لها كمالية وتمامية في ذاتها تقتضى الاستغناء عن القيام بالغير . واما هذه الصور النوعية الجسمانية لما كانت أمثلة لتلك الحقائق كانت ناقصة مفتقرة إلى محل تقوم به ، إذ ليس لها من الكمال ما للحقائق العقلية كما أن مثل الحقائق الخارجة عن الذهن من الجواهر تحصل في
شرح حكمة الاشراق — صفحة 249
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٤٩