وليس له جزء آخر مجهول ، ولا يمكن تعريفه لمن لا يشاهده كما هو ، ومن شاهده استغنى عن التعريف ، وصورته في العقل كصورته في الحس فمثل هذه الأشياء لا تعريف لها ، بل قد يعرف الحقائق المركبة من الحقائق البسيطة ، كمن تصوّر الحقائق البسيطة متفرقة فيعرف المجموع بالاجتماع في موضع ما .
أقول : ان اتباع المشائين يلزمهم على قواعدهم ان لا يعرف الانسان شيئا ؛ إذ الجواهر عندهم لها فصول مجهولة . والجوهرية عرّفوها بالموجود لا في موضوع .
وعرفت ان الوجود أمر اعتباري ليس نفس الماهية ولا جزءا منها ولا في موضوع قيد سلبى لا يصلح للتعريف الذي انما يكون بالذاتيات والنفس وسائر المفارقات العقلية عندهم لها فصول مجهولة لا يمكن الاطّلاع عليها . واما الناطقية ، والصاهلية ، وغيرهما مما يقال إنها فصول ، ليست بفصول . بل هي لوازم للفصول المجهولة التي لا نعرفها مهما كنا في هذا العالم . واما الاعراض ، كالسواد الذي عرّفوه بكونه لونا جامعا للبصر فاللونية أمر اعتباري لا يزيد على نفس السواد وجمع البصر أمر عرضى للسواد غير داخل في حقيقته . وكذا حكم باقي الألوان والاعراض ، ويلزم من ذلك أن تكون الجواهر الجسمانية والروحانية واعراضها غير معلومة لنا ولا متصورة أصلا . وكان الوجود عندهم من اظهر الأشياء ، وعرفت انه أمر اعتباري لا هوية له في الأعيان ، هذا حال التعريفات بالذاتيات الحدية . واما إذا فرضنا التعريف باللوازم العرضية ، فالكلام عائد في خصوصيات تلك في اللوازم ، فيلزم اما الدور أو التسلسل ، وهما محالان . ويلزم مما ذكروه ان لا يعرف في الوجود شيء ما أصلا . والعقول السليمة تأباه ، فالحق الذي لا ارتياب فيه ان السواد شيء واحد بسيط الاجزاء له في الأعيان مجهولة وقد عقلت ذاته كما هي ولا يمكن ان يعرف لمن لا يشاهده كما هو لخفائه عليه من جميع الوجوه ، واما من شاهده فقد استغنى عن التعريف ، وصورته في العقل كصورته في الحس . فالسواد والبياض والروائح والطعوم والأصوات وسائر المحسوسات البسيطة معرفتها ضرورية
شرح حكمة الاشراق — صفحة 201
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٢٠١