ولما علمت أن الوحدة أمر عقلي اعتباري فظاهر ان الذهن إذا جمع واحدا في المشرق ، كانسان أو غيره ، إلى واحد في المغرب ، فلاحظ ذلك الذهن حينئذ اثنينية ؛ وكذلك إذا رأى انسان جماعة كثيرة من نوع واحد ، أو من أنواع اخذ منهم بحسب مراده ثلاثة أو أربعة أو خمسة بحسب ما يقع نظره عليه وفيه بالاجتماع ، وكذلك يأخذ في الاعداد مائة مئات وعشرات ، وأمثال ذلك .
قال الشيخ :
( 63 ) واعلم أن الامكان للشيء متقدم على وجوده في العقل فان الممكنات تكون ممكنة ، ثم توجد ولا يصح ان يقال إنها توجد ، ثم تصير ممكنة . والامكان بمفهوم واحد يقع على المختلفات . ثم هو عرضى للماهية وتوصف به الماهية فليس الامكان شيئا قائما بنفسه وليس بواجب الوجود ، إذ لو وجب وجوده بذاته لقام بنفسه ؛ فما افتقر إلى إضافة إلى موضوع . فيكون ممكنا اذن ، فامكانه يعقل قبل وجوده . فإنه ما لم يمكن أولا ، لا يوجد فليس امكانه هو ، ويعود الكلام هكذا إلى امكان امكانه إلى غير النهاية فيفضى إلى السلسلة الممتنعة لاجتماع آحادها مترتبة .
أقول : لو كان الامكان زائدا على ماهيات الممكنات في الأعيان ، لكان موجودا من الموجودات وليس بواجب الوجود لذاته ، والا لما وصف به غيره فإنما كان وصف الشيء يجب افتقاره إلى ذلك الشيء ؛ والمفتقر لا يكون واجب الوجود لذاته والامكان ، لما اتصف به جميع الماهيات الممكنة ، فليس واجب الوجود لذاته ولا يجوز ان يكون ذلك الوجود ممكنا لذاته والا لاحتاج إلى علة هي الماهية ؛ إذ كل ممكن الوجود لذاته واجب الوجود بغيره ووجوب الممكن انما حصل بنفس الماهية ، فوجود الممكن معلول للماهية ، وكل معلول ممكن ، فوجود الممكن ممكن ، فيكون له امكان آخر عائدا اليه الكلام في أن امكان الامكان ليس نفس الامكان ، إذ امكان الممكن سابق عليه وما هو سابق على الشيء لا يكون نفسه ، ينتج ان وجود الامكان
شرح حكمة الاشراق — صفحة 190
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص١٩٠