ثم من ذكر ما عرف من الذاتيات لم يأمن وجود ذاتي آخر غفل عنه وللمستشرح أو المنازع ان يطالبه بذلك . وليس للمعرّف حينئذ ان يقول « لو كانت صفة أخرى لا لاطّلعت عليها » ، إذ كثير من الصفات غير ظاهرة . ولا يكفى ان يقال « لو كان له ذاتي آخر ما عرفنا الماهية دونه » . فيقال : انما تكون الحقيقة عرفت إذا عرفت جميع ذاتياتها . فإذا انقدح جواز ذاتي آخر لم يدرك لم يكن معرفة الحقيقة متيّقنة .
فتبين ان الاتيان على الحدّ كما التزم به المشاءون غير ممكن للانسان وصاحبهم اعترف بصعوبة ذلك . فاذن ليس عندنا الا تعريفات بأمور تخص بالاجتماع .
أقول : شرع في هدم طريقة المشائين في التعريفات ، في تقريره انك عرفت من القواعد السالفة للمشاءين ان الحدّ التام هو الذي يذكر فيه الذاتي العام ، وهو الذي لا يكون جزءا لذاتي عام آخر ، كالحيوان الذي ليس بجزء لذاتي عام آخر ، كاللون ، بل هو جزء عام للحقيقة الكلية التي يتغير لها جواب « ما هو ؟ » ، كالانسانية والفرسية والحمارية وغيرها ، يسمّى « جنسا » وهو الكلى الذاتي المقول في جواب « ما هو ؟ » . والذاتي الخاص بالحقيقة يسمّى « فصلا » على ما عرفت تفصيل ذلك فيما مرّ في تعريف الحدّ التام والناقص ، والرسم التام والناقص ، ومن قواعدهم ان كل مجهول انما يتوصل اليه من المعلوم السابق عليه فالجزء الذاتي العام ، كالحيوان ، لا يكون وحده معرّفا للانسان المجهول لوجوده في الفرس والحمار وغيرهما من الأنواع المشاركة للانسان في الحيوان . واما الذاتي الخاص بالحقيقة الانسانية ، فلا يكون معلوما ولا مفهوما لمن يجهله في موضع آخر ، لان ذلك الذاتي الخاص بالشيء ان كان موجودا في غيره من الأنواع ، فلا يكون ذاتيا خاصا وفرضناه خاصا ، هذا خلف . وان لم يكن موجودا في غيره بل كان خاصا بالشيء وليس بمدرك بالمشاهدة ولا ظاهر للحس بوجه ما ولا معلوم بحال ما ، فيكون لا محالة مجهولا مع الشيء المطلوب معرفته ، فيعود الكلام إلى معرفة هذا الذاتي الخاص بأنه ان عرف بالأمور العامة دون الخاصة بالشيء وليس بتعريف له لمشاركة
شرح حكمة الاشراق — صفحة 58
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٨