تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
وكذا انكساغورس وذيمقراطيس ، وهم كثيرون لا يحصيهم ولا يضبط تواريخهم الا اللّه تعالى . وقوله « كلمات الأولين مرموزة » ، فان هرمس وانباذقلس وفيثاغورس وسقراط وغيرهم كانوا يرمزون في كلامهم وكانت مصنفاتهم وكتبهم مملوءة من ذلك وكانوا يصنعون ذلك لوجوه ثلاثة : الأول ، لئلا يطّلع عليها من ليس لها اهلا فتصير الحكمة عدة له على اكتساب الشرور والفجور فيفضى ذلك إلى فساد العالم ؛ والثاني ، انه انما فعل ذلك حتى لا يتوانى العاشق لها والطالب عن الكد وبذل الجهد في اقتنائها وتحصيلها وان لحقه في ذلك مشقة ويستصعبها البليد والكسلان ، ومن ليس لها ، لغموضها ولا ينحوا نحوها ؛ والثالث ، انما اقدموا على ذلك تشحيذا للطباع وقوة للنفس باستكداد الفكر والنظر حتى لا يحتج الطالب إلى الدعة والطيبة فيقبل بكليته عليها ولا يتوانى في تحصيلها . ولما عزل أفلاطون ارسطوطاليس على اظهاره للفلسفة ، أجاب : باني وان كنت أظهرتها وكشفتها قد أودعت فيها مهاويا وأمورا وغوامض لا يطّلع عليها الا الشريد الفريد من الحكماء ، أشار إلى ما رمزه فيها . « فلا ردّ على الرمز » ، لان الرمز ظاهره يدلّ على خلاف باطنه ، والرادّ يردّ على الظاهر الغير المراد ، ومهما لم يفهم المراد كيف يمكنه الردّ ؛ ولكن الردّ يكون حينئذ « متوجّها على ظاهر أقاويلهم » الغير مرادة دون المقاصد المرادة فظهر ان لا ردّ على الرمز . وقد ذكر هذا اللفظ بعينه سوريانوس في مناقضة ارسطوطاليس على أفلاطون . قوله « وعلى هذا تبتنى قاعدة الشرق في النور والظلمة ، التي كانت طريقة حكماء الفرس » ، يعنى ان الفارسيين كانوا أيضا يرمزون في كلامهم من ذلك انهم يقولون بأصلين ، أحدهما نور والآخر ظلمة ، وانما هو رمز على الوجوب والامكان ؛ فالنور قائم مقام الوجود الواجب ، والظلمة مقام الوجود الممكن ، لأن المبدأ الأول اثنان : أحدهما نور والآخر ظلمة ؛ ولا يقول هذا عاقل أو من يستحق المخاطبة