كان منه الرشح والعرق : فأما العرق فللحيوان ، وأما الرشح فللنبات . وأما المعادن فلا رشح فيها ولا عرق ، لأن أجزاءها غير متخلخلة فلا يخرج منها شئ غيرها كما يخرج من الحيوان والنبات الفضول ، وإنما يخرج من حيث التخلخل . وأما ما لا تخلخل فيه فلا يخرج منه شئ البتة ، ولذلك صار مصمتا ، أي لا يمكن فيه الزيادة ، لأن ما يمكن فيه الزيادة حتى ينمى ويكبر يحتاج إلى موضع ينمى فيه ، وإذا كان مصمتا لم يكن له موضع ينشأ فيه ويكبر . ولذلك صارت الأحجار والأملاح والترب أبدا على حالة واحدة لا تزيد ولا تكبر . فأما النبات فان الحركة فيه تسوغ ، لأن اليبس الذي هو أحد قوى الأرض يجذب الرطوبة . فإذا اجتذبها كان مع اجتذابها حركة تحمى الموضع فيقع الطبخ في حالة واحدة ، ولذلك صار أكثر الحشائش يتكون في ساعة أو يوم « 1 » واحد ؛ وليس كذلك الحيوان ، لأن الحيوان طبيعة مخالفة لذاته . وإنما يكون الطبخ عند استعمال الحيوان المادة : فأما النبات فمادته قريبة منه فلذلك أسرع كونه ونشوؤه وكبره . وكذلك اللطيف منه أسرع كونا من المتكاثف فيحتاج إلى قوى كثيرة لاختلاف شكله وتباعد أجزائه بعضها من بعض في الطبيعة . فأما الحشائش والزرع فأجزاؤه قريبة بعضها من بعض ، ولذلك أسرع كونه للطافة بعضها من بعض فكملت في أسرع زمان . وأما النبات فأكثره متخلخل الأجزاء ، وذلك أن الحرارة في بطون الأرض في التخلخل ، وليس [ 109 ا ] من شأن الماء أن يصعد إلى فوق لكن الحرارة تجذب تلك الرطوبة إلى أقصى النبات فتصير المواد في جميع أجزاء النبات فما فضل عنه رشحه . وكذلك الحمام : فان الحرارة تجذب تلك الرطوبة فتجعلها بخارا عاليا ، فإذا أفرط في الموضع رجع قطرا . وكذلك الفضول في الحيوان والنبات ترجع من العلو إلى أسفل وتصعد من أسفل إلى العلو في الأفاعيل . وكذلك الأنهار التي تحت الأرض ، فان كونها من الجبال ، ومادتها من الأمطار . فإذا كثرت المياه واحتقنت تولد من ذلك بخار حار لاحتقانها فخرق الأرض كلها ذلك البخار فظهرت العيون والأنهار ، وقد كانت قبل ذلك باطنة .
في النفس — صفحة 264
مساهمون: أرسطو
ص٢٦٤
هامش
( 1 ) ص : ويوم .