تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥

وقد قدمنا العلة لظهور الأنهار والعيون في « الكون « 1 » العلوي » بأن الزلازل قد تظهر أنهارا وعيونا لم تكن قبل ذلك عند انشقاق الأرض بالبخار ، فتظهر العيون والأنهار ؛ وقد تخفى العيون والأنهار إذا كانت الزلزلة منقلبة . فأما النبات فلا يعرض له ذلك ، لأن الهوائية في تخلخل أجزائه . والدليل على ذلك أن الزلزلة لا تكون في الرمال ، وإنما تكون في الأجرام الصلبة ، أعنى مواضع المياه والجبال وكذلك الزلازل تكون غالبة فيها ، لأن الماء مصمت والأحجار مصمتة ، ومن شأن الهواء الحار اليابس أن يتصاعد . فإذا اجتمعت أجزاؤه قوى فشق الموضع فخرج منه ذلك البخار . فلو كان متخلخلا لخرج أولا فأولا . فلما كان مصمتا لم يتهيأ للبخار أن يخرج أولا أولا فاجتمعت أجزاؤه وقوى فخرق الموضع أو شقه فهذه علة [ 109 ب ] الزلزلة في الأجرام المصمتة . ولذلك كان الحيوان والنبات لا تكون في أجزائه الزلزلة ؛ فأما في سائر الأشياء فتكون الزلزلة - وقد نجد ذلك في الخزف والزجاج وسائر المعادن كلها . فأما ما كثر تخلخله فمن شأنه أن يعلو ، لأن الهواء خلخله . وقد يشاهد ذلك إذا رمى شئ من الذهب وغيره فيغرق من ساعته ؛ ويرمى بكل خشب متخلخل فلا يغرق . فليس من أجل الوزن غرق ( الذهب ) ولا من الثقل ، ولكن غرق لأنه مصمت . فأما المتخلخل فلا يغرق بتة ، ولذلك صار خشب الأبنوس وما قرب من شكله يغرق لأن التخلخل فيه يسير ولا يكون الهواء يشيله إلى العلو فيغرق ، لأن أكثر أجزائه مصمتة . فأما الأدهان كلها والورق فتطفو فوق الماء كلها . وقد بينا ذلك ، لأنا قد علمنا أن في الدهن والورق رطوبة وحرارة ، ومن شأن الرطوبة أن تلحق « 2 » بأجزاء الماء ، ومن شأن الحرارة أن تلحق بأجزاء الهواء ، ومن شأن الماء أن يحملها إلى بسيطه ، ومن شأن الهواء أن يعليها ولذلك صار بسيطا لا يعلو عليه

هامش
( 1 ) يقصد به كتاب « الآثار العلوية » ؛ فراجعه ص 349 ا س 12 وما يليها ، ثم ص 365 ب س 1 .
( 2 ) يصححها آربرى : تلصق - ولا داعى لهذا ، بل هو تعسف ، بدليل إقراره قوله من بعد : تلحق بأجزاء الهواء .