تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦

الأعمار الطبيعية التي تتفاضل في الطول والبقاء بتفاضل الأمزجة في الحرارة والرطوبة وأعمار الناس بالجملة إنما توجد تابعة للنسبة المزاجية الطبيعية التي بين القوى الفاعلة والمنفعلة وبين القوى [ 94 ا ب ] الفاعلة أنفسها والقوى المنفعلة أنفسها ولذلك يرى بعض الناس أعضاؤهم في الظاهر حسنة قوية وقواهم عظيمة ، تصيبهم الأمراض القاتلة فيهلكون دون بلوغ اليبس الذي للشيوخ بالطبع . ونجد من هو دونهم في القوة وجودة الأعضاء يبلغون من الشيخوخة ، مع أن ما بين الصنفين متشابه . ومن الدليل على أن سبب طول العمر إنما هو كثرة الحرارة والرطوبة وغلبتهما على المزاج مع استيلاء الحرارة على الرطوبة ، وبالجملة القوى الفاعلة على القوى المنفعلة أن ضد الحياة الموت ، والموت في الظاهر « 1 » برد ويبس . فإذا كانت علة الموت بردا ويبسا فعلة الحياة الحرارة والرطوبة . ولذلك كان مزاج الشباب حارا رطبا ، ومزاج الشيوخ باردا يابسا . ومن الدليل على ذلك أن الذين يكثرون الجماع أقصر أعمارا من الذين يقلونه ، وأن الخصيان أطول أعمارا من غير الخصيان ، والشيوخ الذين هم أكثر لحما من الذين لحمهم قليل ، لأن علة كثرة اللحم الحرارة والرطوبة ؛ ولعلة قلة الجماع كان البغل أطول عمرا من الفرس والحمار ، مع أنه متولد عنهما ، والإناث أطول أعمارا [ 95 ا ] من الذكور ؛ والذين يسكنون البلاد الحارة الرطبة أطول أعمارا من الذين يسكنون البلاد الباردة اليابسة . وإنما تطول أعمار أهل هذه البلاد لسبب عرضى وهو قلة العفن . والحيات والهوام التي تكون في جزائر البحر الكثيرة الرطوبة والحرارة أطول أعمارا من الحيات والهوام التي تكون في المواضع الحارة اليابسة أو الباردة اليابسة أو الباردة الرطبة ؛ ولذلك الناس ، أعنى أهل الجزائر البحرية ، أطول أعمارا من البراري . والحيوان البحري أطول عمرا من البرى ، لأن ماء البحر حار رطب ، ولذلك كان الحيوان البحري أسخن من البرى . وبالجملة فكل ما كان أحر وأرطب كان أقل إسراعا إلى اليبس ، وكلما كان أكثر أرضية كان أشد إسراعا إلى اليبس . فالسبب الحافظ لبقاء الحيوان من ذاته إنما هو وفور الحرارة والرطوبة في

هامش
( 1 ) ص : والموت والعاهر ( ! ) بزد . . .