تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

وإذ « 1 » قد تقرر ذلك ، فينبغي أن نفحص عن أسباب ذلك فنقول : إنه قد تبين في الرابعة من « الآثار العلوية » أن الكون إنما يتم إذا غلبت القوى الفاعلة في المتكوّن القوى « 2 » المنفعلة ، أعنى إذا غلبت الحرارة والبرودة الرطوبة « 3 » واليبوسة ؛ وأن الفساد [ 92 ب ] إنما يعرض من قبل ضدها ، أعنى أنه إذا غلبت الكيفيتان المنفعلتان الفاعلتين « 4 » وقهرتهما . وإنما كان ذلك كذلك لأن الحرارة المقدرة بالبرودة هي التي تفيد المتكون الصورة الطبيعية التي له ، بل هي الصورة بعينها ، والرطوبة المقدرة باليبوسة هي التي تقبل الصورة والشكل . فما دام الموجود الطبيعي والقوتان الفاعلتان فيه قاهرة للقوى المنفعلة وتستولى عليهما انحفظ وجوده ، وإذا ضعفتا عن ذلك استولت على تلك القوى قوى أخرى فاعلة خاصة بموجود آخر ففسد ذلك الموجود - مثال ذلك أن الحرارة الطبيعية ، وهي المقدرة بالبرودة الطبيعية ، ما دامت مستولية على الأخلاط لم تحدث هنالك عفونة ؛ فان ضعفت عن نضج الأخلاط وطبخها أو أفرطت في ذلك ، حدثت هنالك حرارة غريبة مفسدة . وإنما يعرض الفساد بالجملة إذا بطلت النسبة الطبيعية التي بين القوى الفاعلة والمنفعلة في موجود موجود . وكلما كانت هذه النسبة أعظم ، كان ذلك الموجود أقل بوارا وأبعد من الفساد . وكلما كانت فيه أصغر ، كان أسرع للبوار وأشد قبولا للفساد . ولذلك ما كان من الموجودات [ 93 ا ] خلط الماء والنار فيه غالب على خلط الأرض والهواء . كان أطول بقاء ، لأن الماء والنار فيهما الكيفيتان الفاعلتان أقوى منهما في الأرض والهواء . وإنما كان الموجود بهذه الصفة أكثر بقاء لأنه ليس تبطل هذه النسبة فيه من التغير اليسير الذي يدخل على القوى الفاعلة من خارج . وذلك أن النسبة الطبيعية التي بين القوى الفاعلة والمنفعلة إذا كانت كبيرة لم يعرض لها أن تبطل إلا من تغير كبير وفي زمان طويل ؛ وذلك أن الفساد ليس شيئا أكثر من العفونة الحادثة عن ضعف القوى الفاعلة وعسر المنفعلة . ولذلك من كان مزاجه هذا المزاج ، قل فيه تولد الأخلاط الرديئة الكيفية . وذلك أن المزاج الطبيعي إنما هو في النسبة الطبيعية التي بين القوى الفاعلة والمنفعلة . فمتى كانت القوى الباردة الفاعلة أقل مما ينبغي ، كان ذلك ( مؤديا إلى ) عدم

هامش
( 1 ) ص : وإنه .
( 2 ) مفعول به للفعل : غلبت .
( 3 ) ص : للرطوبة .
( 4 ) للفاعلتين .