تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨

الوقوف عليه عسرا . ولو كان معلوما علما قطعيا لقطع الطبيب على طول العمر وقصره . والمزاج المعتدل الذي يضعه جالينوس يشبه أن يكون هذا المزاج ، إلا أن تعرف هذا المزاج بالحس والوقوف عليه عسر ؛ وهو أن يكون موجودا بالقول أحرى منه أن يكون موجودا بالحس . ولكون هذه النسبة مجهولة بالطبع يرى كثير من الزمناء يبلغون العمر ، ويرى كثير [ 96 ب ] من ذوى الهيئات الجيدة يعطبون فسبحان اللّه تعالى ، واهب الأعمار ومقدرها ، العليم بها . وتفاضل الناس في أعمارهم هو بحسب تفاضلهم في هذه النسبة المزاجية التي تختص بالطويل العمر . فطول العمر وقصره بالجملة يكون عن جنسين من الأسباب : أحدهما الأشياء التي من خارج ، والجنس الثاني الأسباب التي في ذات الشئ ، وهي - كما وضعنا : وفور الحرارة والرطوبة ، واستيلاء القوى الفاعلة على المنفعلة ؛ وفي النبات سبب ثالث مؤثر في طول بقائه وهو أنه يفسد وينشأ في أجزائه ، أعنى أنه إذا جف منه غصن أمكن أن يتولد فيه غصن آخر . وهو مع هذا يستفيد الحرارة الغريزية التي فيه من الشمس ، أكثر مما يستفيدها الحيوان . وهو مع هذا كثير المائية ، قريب من صور البسائط : فإنه كلما تغذت صورة المركب من صور البسائط التي تركب منها كانت صورته أشدّ مضادة لصور البسائط ، فكان فعل البسائط فيه أكثر ومضادتها أعظم . فقد قلنا في أسباب طول العمر وقصره بحسب رأى أرسطو ، وبحسب ما تقتضيه الأصول الطبيعية . وأما [ 97 ا ] القدماء فإنهم كانوا ينسبون طول العمر وقصره إلى أسباب عرضية : فمنهم من كان يرى أن العلة في طول العمر وقصره المواضع الحارة اليابسة ؛ ومنهم من كان يرى أن السبب في ذلك كثرة الدم . وأما الموضع الحار اليابس فمحرق « 1 » ومعفن للرطوبة الطبيعية فلذلك لا يمكن أن يتصور أنه سبب بالذات لطول العمر ، وإنما يكون سببا بالعرض لأن العفونة التي تعرض من قبل الرطوبة تقل في هذه المواضع « 2 » ، وهذه مثلما يكون البلد البارد اليابس سببا لطول العمر ، وهو أحق بذلك من البلد الحار اليابس لأنه

هامش
( 1 ) ص : محرق .
( 2 ) ص : هذه الموضع .
في النفس — صفحة 238 | أرسطو