تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وجهين : الوجه الواحد إما أن يتلقى ذلك المعنى نفسه ، أو يتلقى ما يحاكيه بدله . كان بيّنا من جميع هذا أن الرؤيا إذن تنسب من قوى النفس إلى القوة المتخيلة أولا ، سواء كانت كاذبة أو صادقة . وأما كيف يعرض في النوم عن هذه القوة أن يكون المرء يرى كأنه يحس بحواسه الخمس من [ 82 ب ] غير أن تكون هنالك محسوسات خارج النفس ، فان ذلك يكون منها بعكس الحركة التي كانت بينها وبين المحسوسات في اليقظة ، وذلك أن في اليقظة المحسوسات من خارج هي التي حركت الحواس ، وحرك الحس المشترك قوة الجزئية ؛ فيعرض للمرء أن يدرك المحسوسات وإن لم تكن موجودة خارجا لأن معانيها قد صارت في آلات الحواس . ولا فرق بين أن تصير هذه المعاني من خارج ، أو تصير من داخل . وقد يعرض مثل ذلك في اليقظة للخائف والمريض وذلك لإفراط فعل القوة المتخيلة في هذه الأحوال : فإنها إذا قوى فعلها عادت بحركة ما كانت عنه متحركة وهو الحس المشترك . وإنما أفرطت حركة القوة المتخيلة في النوم لأنها انحلت عن رباط القوة الفكرية وخرجت عن سلطانها . ولضعف هذه القوة ، أعنى المفكرة ، في الخائف والمريض عرض لهم مثل هذا العارض . فقد تبين من هذا القول أن الرؤيا - سواء كانت صادقة أو كاذبة - منسوبة إلى قوة التخيل . فلننظر في الأسباب الفاعلة لهذين الصنفين من الرؤيا فنقول : أما الرؤيا الصادفة فلما كانت تدل على معرفة وجود شئ مجهول الوجود عندنا بالطبع قبل هذه [ 83 ا ] المعرفة ، وهو في وقت المعرفة في الأكثر معدوم وكان هذا التصديق الحاصل لنا بعد الجهل ليس يحصل عن معرفة متقدمة عندنا فاعلة له ، ولا بعد فكر وروية بمنزلة ما تحصل المعرفة التصديقية الحاصلة لنا عن المقدمات - فإنه قد تبين في « كتاب البرهان » أن المعرفة التصديقية والتصويرية يتقدمها بالطبع صنفان من المعرفة : فاعل ومعطى . وأما هذه المعرفة التي تحصل في النوم فظاهر أنه ليس يتقدمها الصنف الفاعل ؛ فأما هل يتقدمها الصنف المعطى ففي ذلك نظر . وإذا كانت هذه المعرفة حاصلة لنا بعد الجهل وموجودة بالفعل بعد أن كانت موجودة بالقوة ، ولم يكن فينا معرفة لهذه المعرفة ، فبين أن الحال في حصول هذه المعرفة لنا كالحال في حصول المقدمات الأول . وإذا كان