تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
لا يمكن أن يكون المشهور كاذبا بالكل . والقول فيها هو من جنس واحد . [ 81 ب ] والكلام عن الرؤيا يعنى عن الكلام ( في سائرها ) ، لأنها إنما تختلف بالأقل والأكثر ، أعنى أسبابها . وإنما اختلفت أسماؤها لما يعتقده الجمهور في أسبابها - وذلك أمر معروف : فإنهم يعتقدون في الرؤيا أنها من الملائكة ، وفي الكهانة أنها من الجن ، وفي الوحي أنه من اللّه تعالى : إما بلا واسطة ، وإما بواسطة مخصوصة . وأيضا فان الوحي منفصل عندهم بأنه إنما يأتي للتعريف بأمور علمية مثل تعريف ماهية السعادة ، وتعريف الأشياء التي تحصل بها السعادة ؛ وتلك إنما يحصل التعريف فيها بأمور كائنة . وأرسطو إنما تكلم من هذه في الرؤيا فلنقل فيها فنقول : إن الرؤيا صنفان : كاذبة ، وصادقة ؛ فينبغي أن ننظر فيها أولا إلى أي جزء من أجزاء النفس ينسب كل واحد من هذين الصنفين ؛ وما السبب الفاعل لكل واحد من صنفى الرؤيا ، أعنى الصادقة والكاذبة ؛ ولما ذا تكون الرؤيا الصادقة ، وكيف يمكن أن تكون ؛ وكم أصنافها ؛ وفي أي الأجناس والمعلومات تكون ؛ ولم كانت تختص بوقت النوم ؛ ولما كان بعض الناس متفاضلا فيها : فبعضهم يرى رؤيا صادقة ، وذلك في الأكثر ، وبعضهم كاذبة في الأكثر ، ولم كان بعض الناس يحسن تعبير الرؤيا وبعضهم لا يحسن . فان هذه هي [ 82 ا ] أصول المطلوبات المتشوقة في الحس . فنقول : إنه لما كان النائم يحس كأنه يبصر ويشم ويذوق ويلمس ، ولم يكن هنالك محسوسات من خارج ، فواجب أن يكون مبدأ هذه الحركة في النوم هو من منتهاها في اليقظة يبتدئ من المحسوسات التي من خارج إلى أن ينتهى إلى قوة الذكر ، وهي المرتبة الخامسة ، فقد كان يجب أن يكون مبدؤها من هذه القوة . إلا أن قوة الفكر والذكر غير فاعلة في النوم ، وإنما الفاعلة في النوم المتخيلة ، لأن هذه الحركة هي حركة دائمة وفعل متصل ، وإن التصوير والتمثيل والانتقال من خيال إلى خيال ، وتارة ذلك من المعاني التي في الذكر ، وتارة تفعل ذلك من الآثار التي في الحس المشترك ، وتارة تتلقى هي معنى ذلك الشئ الذي تصويره من مبدأ من خارج - على ما سنبين - وذلك على أحد