السبب الأول ، والدماغ سبب ثان . وإذا كان هذا هكذا ، فهذان العضوان هما المشاركان لهاتين القوتين . - وأما عن أي سبب يعرض لهذين العضوين فظهر « 1 » مما أقوله ، وذلك أنه إذا وضع أن كل عرض يعرض للحيوان فإنما سببه الحار والبارد والرطب واليابس أو ما تركب منهما ، ووضعنا أن النوم هو غؤور الحس المشترك إلى العضو الذي هو مبدؤه ، وكان موضوع الحس المشترك إنما هو الحار الغريزي - فبين أن النوم إنما يكون بانصراف الحار الغريزي وانقباضه إلى مبدئه الذي هو القلب ، فان الحركة إنما تكون للجسم بما هي حركة . ولذلك لا تتحرك القوى إلا من جهة موضوعها . وإذ تبين هذا وكان الانقباض للحار الغريزي إلى باطن البدن إنما يعرض له من قبل ضده الذي هو البرد والرطوبة ، كما أن الانتشار له [ 79 ا ] والحركة إلى خارج إنما يعرض من قبل الحرارة واليبس ، فواجب أن يكون إنما يعرض له في وقت النوم هذا العرض من قبل البرودة والرطوبة التي هي أغلب على الدماغ ، وأن يكون السهر إنما يعرض من قبل الحرارة واليبس الغالب على مزاج القلب . - فأما كيف يعرض هذا الانقباض عن البرودة والرطوبة فمما نقوله : أما الرطوبة فمن شأنها تسد المجارى التي للحار الغريزي في العروق والأعصاب ، فتمنع الروح وتحجبه عن الوصول إلى الآلة الخاصة به ، كما يحجب الحجاب الشمس فلا يصل هذا الروح إذا كثرت الرطوبة فيه إلى خارج . - وأما البرودة فان من شأنها أن تحرك الحرارة الغريزية إلى منبعها من جهة ما هي ضد له ، وإلا فسدت الحرارة الغريزية ، مع أن البرودة أيضا من شأنها أن يتكثف بها الجرم ويعود إلى كمية أصغر ؛ ولذلك كان الأسطقس البارد أصغر كمية من الأسطقس الحار . وقد يشهد لكون البرودة والرطوبة فاعلة للنوم ما يعرض من كثرة النوم عند تناول الأشياء الباردة الرطبة . وهذا العارض يعرض للروح ، وعلى [ 79 ب ] المجرى الطبيعي من شيئين : أحدهما طبخ الغذاء ونضجه في الدماغ والقلب ، والثاني الكلال الذي يلحق آلات الحواس والحار الغريزي . وأما كيف يعرض ذلك للحار الغريزي عن هذين الشيئين فعلى ما أقوله : وذلك أن الغذاء إذا استحال دما وصار صفوه إلى القلب ثم إلى عضو عضو من
في النفس — صفحة 219
مساهمون: أرسطو
ص٢١٩
هامش
( 1 ) الأصح : فظاهر .