تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧

في إدراكه الذي يخصه . وهذا ليس يعرض لشئ من الحيوان سوى الإنسان ، لأنه لا قوة عقيلة ( له ) ، وإنما يدرك من المحسوسات رسوم الأشياء وقشورها . والدليل على ذلك أنها تمر على الضار لها فلا تتجنبه ، وعلى النافع فلا تتحرك إليه . - وقد يرسم أيضا النوم « 1 » بأنه ربط القوى ووثاقها ، واليقظة بأنها انحلال القوى وضعفها [ 77 ا ] وذلك أن اليقظة لما كانت استعمال الحواس آلاتها ، عرض لها الانحلال عن آلاتها لمكان الضعف والتعب ؛ والنوم لما كان جماما لهذه القوى عرض له أن يكون رباط هذه القوى لأنها ستجد به قوة ونشاطا . ولما كان هذا الكلال إنما يعرض للآلات « 2 » عن آلام داخلة عليها مثل التعب والكد وغير ذلك من الأمور ، كانت هذه الأشياء أيضا لها مدخل في رسم النوم . وإذا كان هذا ظاهرا من أمر النوم فواجب في كل ماله يقظة من الحيوان أن يكون له نوم ، لأن الضعف يدخل على الحيوان ضرورة ، إلا أنه ليس لازما ذلك الحيوان على نحو واحد ووتيرة واحدة ، وذلك أن من الحيوان ما له خمس حواس ، وهذا يوجد له النوم واليقظة على التمام ، ويوجد له الفرح والحزن والشهوة على التمام أيضا ؛ وقد توجد له الحاسة التامة المشتركة . ومنها ما توجد له أربع حواس فقط وثلاث حواس ، وهذا يوجد له النوم لكن ليس في جميع القوى الخمس إذ كان لا يوجد له السهر بها وليس يلحق شيئا في أن النوم التام والفرح التام والسرور إنما يوجد للحس المشترك التام ، وهو الحيوان الذي توجد له خمس حواس ، من قبل أنا نجد كثيرا ممن فقد بعض [ 77 ب ] هذه الحواس ينام - مثل الأعمى والأصم والأبكم « 3 » ، فان هذا الفقد هو عرضى لا طبيعي . وأيضا فهؤلاء لم يفقدوا الحس المشترك ، وإنما فقدوا الآلات التي بها يشرق الحس المشترك المحسوسات . ورسم قوم النوم بأنه الذي يحدث عن ضعف القوى الحسية . وليس كل نوم يحدث عن ضعف القوى الحسية ، فإنه قد يحدث عن إعمال الفكر في شئ ما ، فيعرض للحس المشترك لمعونة الفكر ، لا لأنه لحقه ضعف ، بل فعله مع سائر القوى في ذلك الوقت أقوى منه في حين اليقظة .

هامش
( 1 ) ص : بالنوم .
( 2 ) ص : للات .
( 3 ) ص : الأرشم - والأرشم هو الذي به وشم وخطوط ، ولا معنى له هنا .