والدليل على أن القوى الحسية تنقبض عند النوم أن المرء إذا عسر عليه المعنى وفكر فيه عرض له النوم . وقد يبلغ هذا المعنى ببعض الناس أن يعرض لهم شبيها بالموت ، أعنى لضعف قواهم الخارجة لمكان تصرف القوى الداخلة الروحانية وإدراكها للأمور الجزئيّة واطلاعها على الأمور الروحانية الموجودة في العالم كالملائكة والسماوات وغير ذلك ، وهؤلاء هم الذين يقال إنه عرج بأرواحهم .
ولما كان الحس المشترك من جهة واحدا ، ومن جهته كثيرا : أما الجهة التي هو بها واحد فمن [ 87 ا ] جهة أنه يدرك جميع المحسوسات الخمس ؛ وأما كثير فمن جهة الآلات ، أعنى من جهة أن له عينا وأذنا وأنفا ، وكان هذا الحاس النوم واليقظة ، وهو عام لقوى كثيرة من قوى الحس . فتبين أن النوم واليقظة يشتمل قوى كثيرة من قوى الحيوان . ولذلك ما يقول أرسطو : إنه واجب أن يعدل المرء بين هاتين القوتين ، ولا يميل لإحداهما دون الأخرى ، وذلك أنه متى ملنا إلى النوم أكثر مما ينبغي تبلدت النفس والآلات الطبيعية التي بها تفعل .
ومتى ملنا إلى اليقظة فسدت القوى والآلات الطبيعية التي تخصها .
فقد ظهر من هذا الأمر : لأي قوة من قوى النفس يوجد النوم والسهر .
ولما كانت هذه القوى لا بد لها من موضوع خاص ، وذلك هو العضو الذي فيه هذه القوة ، فينبغي أن نفحص عن هذا العضو : أي عضو هو ، وإن كان يوجد لأكثر من عضو واحد ، ولأيها يوجد أولا ، ولأيها يوجد ثانيا ، وعن أي سبب يوجد ، وكيف يوجد .
فنقول إنه قد تبين فيما سلف مبدأ الحس المشترك إنما هو في القلب ، وأن الدماغ هو أحد الآلات الممتة لهذر الفعل من جهة التعديل الموجود فيه .
وإذا كان ذلك كذلك ، وكان النوم [ 78 ب ] هو غرض الحس المشترك إلى داخل البدن ، فبيّن أن مبدأ هذه الحركة في السهر هو من القلب ومنتهاها إلى الدماغ . وأما في النوم فمبدؤها من الدماغ ، ومنتهاها إلى القلب . وعلى الحقيقة فمبدؤها في الأمرين إنما هو من القلب ، لكن الدماغ هو سبب في النوم بجهة ما أكثر منه في السهر . وبالجملة فكل واحد منهما سبب في ذلك ، لأن القلب هو
في النفس — صفحة 218
مساهمون: أرسطو
ص٢١٨