الرطوبة ) العرضية ؛ وإنما يوجد بعض المشايخ جيد الذكر إذا لم يغلب على مزاجه الطبيعي هذا المزاج العرضي . وذلك أن المزاج الطبيعي للشيخ إنما هو [ 75 ا ] مزاج اليبس ؛ ولذلك قد يوجد الشيخ ذاكرا ، ولا يوجد حافظا ؛ وأما الصبيان فيوجدون حفاظا أكثر مما يوجدون ذاكرين . وأما الشباب فهم الذين يوجد لهم الأمران معا : الحفظ والذكر . وإنما يذكر المرء كثيرا مما أحسه في صباه لأنه شديد العشق للصور التي تمر به ، شديد الاستغراب لها فيطول تبينه لها ويجود تحصيله فيعسر ذهابها .
فقد قلنا في هذه القوة وفي لواحقها فلنقل في النوم واليقظة ، والنظر فيهما أولا : هل هما خاصان بالنفس ، أو بالجسد ؟ أو هما مما تشترك فيه النفس والجسد ؟ وإن كانا مما تشترك فيه النفس والجسد فلأي جزء من أجزاء النفس تنسب هاتان القوتان ؟ ولأي عضو من أعضاء البدن ؟ وهل ما يوجد له من الحيوان إحدى هاتين القوتين توجد له الأخرى ؟
فنقول : إن النوم والسهر يرسمان برسوم : أحدها أن النوم حس لا بالقوة ، أي الأشياء موجودة بالقوة ؛ فإنه ظاهر أن النائم يرى أنه يأكل ويشرب ويحس بجميع حواسه [ 75 ب ] الخمس . وأما اليقظة فإنه حس لا بالفعل . - ومن هذين الرسمين يظهر أن النوم عدم اليقظة ، لأن ما بالقوة عدم ما بالفعل . والحس الذي بالقوة في النوم قد يتفق أن يخرج إلى الفعل ، وذلك في المنامات الصادقة والإنذارات العجيبة . وحينئذ يكون الحس الذي بالقوة أشرف من الحس الذي بالفعل . وأما الكاذب من الحس الذي بالقوة فخسيس ، والذي بالفعل أشرف منه . ويشبه أن يكون الأمر كما يقول أرسطو : إن الحس الذي بالفعل جسماني ، والذي بالقوة روحاني ، والجسماني أشرف عند الحاس الجسماني ، والروحاني أشرف عند المدرك الروحاني ، وليس الروحاني أشرف عند الجسماني ، ولا الجسماني أشرف من الروحاني عند الروحاني . وأما الروحاني على الإطلاق فهو أشرف من الجسماني ، والحس الروحاني إنما يوجد في النوم فقط ، بل يوجد في اليقظة عند اجتماع القوى الثلاث واتحادها كما سلف من قولنا ، ومن هذين الرسمين أن
في النفس — صفحة 215
مساهمون: أرسطو
ص٢١٥