فقد تبين من هذا كيف يكون التذكر ، وما الفرق بينه وبين الحفظ .
وقد بقي من لواحق هذه القوى التي يذكرها أرسطو مطلبان : أحدهما : لم كان المتذكر يألم ويلتذ من غير أن يكون الملتذ به موجودا بالفعل ؟ - فنقول : إن المتذكر يلتذ بذكر الأشياء التي ليست موجودة بالفعل [ 74 ا ] من جهة أن الأشياء التي تبعثه على التذكر هي أشياء موجودة ، وهي ضرورة مناسبة كالأشياء المتذكرة . فلكون شبيه الشئ له بالفعل يلحق المتذكر من اللذة أو الأذى عند ذلك ما كان يلحقه لو كان ذلك الشئ موجودا بالفعل ؛ فكأنه يتوقع خروج ذلك الشئ إلى الفعل ، وكأنه عند النفس في حد الممكن . وذلك أنه إذا وجد شبه ذلك الشئ ، كان الشئ ممكنا أن يوجد . فالنفس إذا تذكرت شيئا من أجل محسوس مناسب لذلك الشئ لأمر بها ، أشعرها العقل أن ذلك المحسوس من جنس ما كان عندها مخرجا وموجودا بالقوة ، وأنه يمكن أن يخرج إلى الفعل كما خرج إلى الفعل هذا الشبيه الذي نبهنا . فيعرض عند ذلك من الألم بالشيء المتذكر واللذة مثل ما يعرض لو كان موجودا بالفعل .
وأما الجيد الذكر من الناس فهو البطيء الحركة الذي يثبت في نفسه ما يمر به من المحسوسات ، وذلك هو مزاج مؤخر دماغه متمسك بالصورة الحاصلة ؛ وهذا هو الذي تغلب على مزاج ذلك الموضع منه اليبوسة أكثر [ 74 ب ] من غلبة الرطوبة ، فان اليبوسة من شأنها أن يعسر قبولها ؛ فإذا قبلت الصورة فمن شأنها أن تثبت فيها وتتمسك بها زمانا طويلا ، بخلاف الأمر في الرطوبة . ولذلك كان الذين مزاج أدمغتهم هذه الأمزجة - جيدى التذكر ، لأن جودة التذكر إنما تكون عن بقايا رسم الصورة المنطبعة في القوة المتخيلة . - وأما الذين تغلب على هذا الموضع منهم الرطوبة فإنهم لا يتذكرون الأشياء لقلة ثبوت الصور في الرطوبة ؛ ولكنهم يحفظون سريعا لسهولة الرطوبة . ولهذا كان الكثير اليبس قليل الحفظ كثير التذكر ؛ وكان الكثير الرطوبة سريع الحفظ كثير النسيان عسر الذكر . والمتوسط في هذا المزاج تجتمع له جودة الحفظ وجودة الذكر ؛ ولهذا كانت جودة الذكر منسوبة إلى سن الشباب بالطبع ، وكان النسيان يعرض للصبيان والشيوخ : أما للصبيان فلموضع الرطوبة الطبيعية ، والمشايخ ( لموضع
في النفس — صفحة 214
مساهمون: أرسطو
ص٢١٤