ذلك شئ . فإذا أحضرته القوة الذاكرة [ 72 ا ] أحضر المصور صورة ذلك الشئ وركب المميز المعنى الذي ميزه وفصله بأنه إلى المعاني التي تفصلت إليها فمنها يتركب ، والمركب هو المفصل . فمعنى الصورة تحضره الذاكرة ، ورسمها تحضره المتخيلة ، وتركيب المعاني إلى الرسم تعطيه المميّزة . فسبحان اللّه الحكيم العليم ! وباجتماع هذه الثلاث قوى يحضر الشئ المنسى عند التذكر . فان اعتاص إحضار الشئ على المرء فإنما ذلك لموضع ضعف واختلال لحق إحدى هذه القوى ، فاعتل سائرها لاختلال تلك القوة الواحدة . وهذا الاختلال يعرض لبعض هذه القوى من بعض ، إنما يعرض أكثر للأعلى من الأسفل - مثال ذلك أن المصور يألم ويختل باختلال الحس ويتدنس بتدنسه ، ولا يألم الحس بألم المصور . وكذلك القوة المميزة تألم بألم المصور ، ولا يألم المصور بألمها . وإنما كان ذلك كذلك ، لأن الروحاني يألم بألم الجسماني ، ولا يألم الجسماني بألم الروحاني . وكذلك الأكثر روحانية منها تألم بألم الأقل روحانية ، ولا تألم الأقل روحانية بألم الأكثر روحانية . وليس يعرض عن اجتماع هذه القوى [ 72 ب ] وتعاونها إحضار الشئ الذي قد أحس ونسي ، بل وقد يحضر في بعض الناس عند اجتماعهما صور الأشياء المحسوسة من غير أن يحسها ، وإلا نقلت إليه صفاتها ، كما حكى أرسطو عن بعض القدماء أنه كان يصور أشياء نقلت إليه بالسماع من غير أن يكون شاهدها . فإذا امتحنت تلك الصور وجدت على ما شاهدت عليه وبهذه الجهة يمكن أن يتصور الفيل من لم يره « 1 » قط . وهذا إنما يعرض للمرء عند اتحاد هذه القوى الثلاث . واتحادها إنما هو من قبل النفس الناطقة ، أعنى من قبل طاعتها لها ؛ كما أن افتراقها إنما يكون من النفس البهيمية . واتحادها عسر صعب على المرء لكونه من قبل النطق . وراحة النفس البهيمية إنما هي « 2 » في افتراقها . ولذلك إنما يعرض الاتحاد للذين يجهدون أفكارهم في الخلوات ويقطعون عن أنفسهم الشواغل التي تشغل الحواس ، فيعود الحس المشترك فيهم إلى معونة هذه القوى . ولذلك قد تتحد هذه القوة في النوم فتطلع على عجائب العالم في الأحوال الشبيهة بالنوم ، مثل الإغماء الذي يعرض للذين يقال إنهم عرج بأرواحهم .
في النفس — صفحة 212
مساهمون: أرسطو
ص٢١٢
هامش
( 1 ) ص : يراه .
( 2 ) ص : هو .