الذي يخصها إحضاره والقوة الثالثة . [ 71 ا ] وأما التحليل والتفصيل فإنما يكون في حد الشئ المحسوس ما دام محسوسا ، وذلك يكون بأن يحس الحاس الشئ خارج النفس ثم يصوره المصور ، ثم يميز المميز معنى تلك الصورة من رسمها ، ثم يقبل الحافظ ما ميز المميز ؛ فان ذهبت ، كانت استعادتها على جهة التركيب .
ولما كانت هذه القوى مختلفة الأفعال ، كانت مختلفة المواضع من الرأس .
ولما كان الحاس إنما يحس أولا ، ثم يصور المصور ، ثم يميز المميز ، ثم يقبل الحافظ ما ميز المميز - وجب ضرورة أن يكون المصور في أفق الحاس من من الدماغ ، ثم يليه المفكر ، وذلك في الموضع الأوسط . ثم يلي المفكر الذاكر والحافظ ، وذلك في المؤخر من الدماغ ، وذلك بحسب المشاهدة من هذه القوى في هذه المواضع بالاعتدال اللاحق لقوة قوة من هذه القوى باختلال موضع موضع من تلك المواضع . وذلك أنه متى اعتل مزاج مقدم الدماغ فقط ، اختل خيال ذلك الرجل ، ولم يختل فكره ولا ذكره . فإذا اعتل وسطه ، اختل فكره . وإذا اعتل مؤخره ، اختل ذكره وحفظه . وهذا معروف عند الأطباء . ولذلك كانت هاهنا مراتب خمس : أولها [ 71 ب ] جسماني كثير القشر وهو الصورة المحسوسة خارج النفس ؛ والمرتبة الثانية وجود هذه الصورة في الحس المشترك وهي أول مراتب الروحانية ؛ والمرتبة الثالثة وجودها في القوة المتخيلة ، وهي ( أكثر ) روحانية من الأولى ؛ والمرتبة الرابعة وجودها في القوة المميزة ؛ والخامسة وجودها في القوة الذاكرة ، وهي أكثر روحانية فإنها تقبل لباب ما ميزته الثلاث وصفّته من القشر .
فقد تبين من هذا القول أىّ وجود هو وجود هذه القوى ، وما جوهرها ؛ وأنها غير المصورة وغير المميزة ، وأنها إنما يتم فعلها بمشاركة المميزة والمصورة ، وذلك إما في هذا التركيب ، أو في حد التفصيل . وبيّن أن الحفظ إنما هو استصحاب وجود المعنى المحسوس في هذه القوة من غير أن ينقطع ، وأن النسيان هو ذهابه ، وأن الذكر هو رجوعه بعد النسيان ، وأن التذكر هو استرجاعه وأنه خاص بالإنسان . ولذلك قد يجب أن ننظر كيف يتذكر المتذكر ما قد أحسه ونسيه فنقول : إن تذكر المرء شيئا قد نسيه إنما يكون ضرورة باحضار معنى
في النفس — صفحة 211
مساهمون: أرسطو
ص٢١١