إدراكه في الزمان الماضي إلى الزمان الواقف . وأما الذكر فإنه « 1 » لما هو قد نسي . ولذلك كان الذكر حفظا متقطعا ، والحفظ ذكرا متصلا . فهذه القوى واحدة بالموضوع ، اثنان بالجهة . فالذكر بالجملة هو معرفة ما قد عرف بعد أن انقطعت معرفته . - والتذكر هو طلب هذه المعرفة إذا لم تكن حاصلة وتصرف الفكرة في إحضارها . وبيّن أن هذا الفعل واجب أن يكون لقوة ليست حسا ولا تخيلا ، وهي التي تسمى ذاكرة . فلننظر ما هي هذه القوة ، وأي مرتبة مرتبتها من قوى النفس ، ولما ذا « 2 » تشارك منها . وظاهر من أمرها أنها من القوى المذكرة للأمور الجزئية الشخصية ، فان الذكر إنما يكون لشئ بعد [ 69 ب ] إحساسه وتخيله ، وذلك من جهة ما هو محسوس ومتخيل ، فان طبيعة « 3 » الكم - مثلا - الكلية التي يدركها العقل لا تدركها القوة الذاكرة ، وإنما تدرك كمية محدودة قد أحستها وتخيلتها . فأما كيف تتذكر الكلى ، فيستقال في ذلك . وإذا كان ظاهرا من أمر هذه القوى أنها جزئية وأنها محتاجة في فعلها إلى أن تتقدمها قوتان : قوة الحس وقوة التخيل ، فلننظر بما ذا تفترق هذه القوة من قوة التخيل . فإنه يظهر من أمرها إن لم تكن هي فهي لها مشاركة في فعلها . فنقول : إنه من البين أنه وإن كان كل ذكر وتذكر فإنما يكون مع تخيل ، فان معنى الذكر غير معنى التخيل ، وأن فعل هاتين القوتين متباين ، وذلك أن فعل قوة الذكر إنما هو إحضار معنى الشئ بعد فقده والحكم عليه الآن : أنه ذلك المعنى الذي أحس وتخيل . فها هنا إذن أربعة أشياء : خيال ، ومعنى ذلك الخيال ، وإحضار ذلك المعنى ، والحكم على أنه معنى ذلك الخيال الذي كان للمحسوس المتقدم . وإحضار الخيال واجب أن يكون لقوة غير القوة التي تدرك المعنى . وهذه القوة توجد بحالتين : إن كان إدراكها [ 70 ا ] متصلا سميت حافظة ، وإن كان منفصلا سميت ذاكرة . وأما الحكم على أن هذا المعنى هو لهذا التخيل فهو في الإنسان للعقل لأنه الحاكم بالإيجاب والسلب ، وهو في الحيوان الذاكر شئ شبيه بالعقل ، لأن هذه القوة تكون في الإنسان بفكر وروية .
في النفس — صفحة 209
مساهمون: أرسطو
ص٢٠٩
هامش
( 1 ) ص : الذكر فإن ما هو لما قد . . .
( 2 ) أي : لأي شئ منها تشارك .
( 3 ) ص : الطبيعة .