البردية بين الماء الذي في العين والهواء الذي من خارج والرطوبة المائية التي يسميها جالينوس بالزجاجية .
فقد تبين من هذا كيف يكون الإبصار بالمتوسطات .
وأما كيف يكون الشم بتوسط الهواء والماء ، فان ذلك يكون بما في الهواء من الاستعداد لقبوله للجسم الدخاني المشموم وما في الماء أيضا من ذلك . وذلك أن من [ 67 ا ] شأن هذه الأسطقسات أن يؤدى بعضها إلى بعض الأبخرة المتولدة ، للمجانسة التي بينها : فالأرض تؤدى البخار اليابس إلى الماء ، والماء يقبله لمشاكلته له في الرطوبة ، والهواء يؤدى إلى النار للمشاركة التي بينهما في الحرارة .
وأما كيف يؤدى الهواء الصوت ، فقد قيل في « كتاب النفس » .
وأما خصوصية إدراك هذه الحواس الخمس في الحيوان ، فإنها ليست على جهة واحدة . وذلك أنها في الإنسان تدرك فصول الأشياء ومعانيها الخاصة ، وهي التي تتنزل من الشئ المحسوس منزلة اللب من الثمرة . وفي الحيوان ، إنما تدرك الأمور التي من خارج ، وهي نسبتها إلى الأشياء نسبة القشر إلى اللب من الثمرة . والدلالة على ذلك أن البهائم لا تتحرك عن هذه الحواس حركة الإنسان عنها ، فان الإنسان يطرب عند سماع الألحان ولا تطرب البهائم ، إلا إن قيل ذلك باشتراك الاسم . وكذلك يتحرك الإنسان عن رؤية الأشكال والأصباغ حركة لا تتحركها البهائم . وكذلك الأمر في أصناف المطاعم والمشمومات ، وإن كانت مشاركة البهائم في هذا أكثر لمكان جسمانيتها . وكذلك الأمر أيضا في قوة اللمس فان ليد الإنسان في ذلك خاصية ليست لغيره : فالإنسان يستدل [ 67 ب ] بالشم على الطعم الموافق والضار ؛ ويتداوى بالمشمومات كما يتداوى بالمطعومات .
وإنما كانت المشمومات سببا للبرء من أمراض الرأس ، لأن الرأس بارد رطب ، والمشموم في أكثر الأمر حار يابس .
والسمع في الإنسان هو الطريق إلى التعلم ، لأن التعلم إنما يكون بالكلام ، والكلام إنما يتأدى إليه من طريق السمع . إلا أن فهم دلالة الألفاظ ليس هو للسمع ، وإنما هو للعقل .
في النفس — صفحة 206
مساهمون: أرسطو
ص٢٠٦